الفيلم من بطولة الممثلة ريتا حايك، الرياض 2025 (Getty)
يُعرض في بيروت فيلم “ليست دو مارياج” (Liste De Mariage)، أي لائحة الهدايا الخاصة بحفلات الزفاف. القصة من تأليف الممثل والكاتب طارق سويد، الذي يستعيد حضوره بمجال الكتابة، فيما تتولى رندة علم الإخراج في تجربة سينمائية جديدة لها بعد مسار في الدراما التلفزيونية.
يروي الفيلم حكاية لانا (ريتا حايك) وجيمي (كارلوس عازار)، إذ يجمعهما لقاء صدفةً تنطلق منه قصة بسيطة بخطوطها العامة، لكنها محمّلة بدلالات إنسانية. جيمي، الذي يعاني ضائقة مالية، يقترح على لانا اتفاقاً تمثيلياً مقابل 20 ألف دولار، على أن يستعيد المبلغ من خلال مشروع فيلم يراهن عليه.
وسرعان ما يتحول الأصدقاء والأقارب إلى شركاء في محاولة حل الأزمة المالية التي يمر بها الشاب، ضمن مقاربة تسعى إلى تقديم رؤية مختلفة تخبئ خلفها هدفاً إنسانياً واضحاً، من دون أن تغفل الجرعة الكوميدية المطلوبة في عمل من هذا النوع.
لا تميل رندة علم إلى التطويل أو الاسترسال غير المبرر؛ فإيقاع الأحداث متسارع ومدروس، يمنح المشاهد وجبة سينمائية خفيفة وهادفة في آن. تعتمد أسلوباً بسيطاً ومباشراً في السرد، وهو خيار ذكي لا يُعتمد كثيراً في السينما اللبنانية، إذ تميل بعض الأعمال إلى التعقيد أو التشعب. هنا، تختار المخرجة أن تقول ما تريد بأقل قدر من الزوائد، محافظة على تماسك الحكاية.
تنطلق القصة بذكاء لتفتح الباب أمام سلسلة من التساؤلات والتشويق تمتد لتسعين دقيقة. تبرر علم هذا اللقاء الصدفي بوصفه بداية طبيعية لقصة حب عادية، تخرج من صلب الواقع الذي نعيشه وتسير وفق خط سينمائي منضبط. لا إضاعة للوقت، ولا روايات موازية تثقل البناء الدرامي، بل تركيز واضح على العروسين وما يدور في فلكهما، مع إحاطة من الشخصيات المشاركة التي تتابع التفاصيل بدقة من دون الخروج عن الإطار السينمائي المعتمد.
تطل ريتا حايك في دور لانا بطاقة مختلفة، خصوصاً أنها تؤدي الشخصية وهي حامل، فتضفي على الأداء عفوية لافتة تبتعد عن أدوارها في الدراما التلفزيونية الطويلة. تبدو كأنها كانت تنتظر فرصة سينمائية تُظهر من خلالها خفة حضورها وقدرتها على حمل العمل بثقة، هي التي سبق أن شكّلت إضافة إلى السينما اللبنانية من خلال مشاركتها في أفلام وصلت إلى صالات عالمية مثل “القضية 23” (2017) لزياد الدويري، إلى جانب تجارب أخرى تركت بصمة مميزة، فضلاً عن حضورها المسرحي الذي يحظى باهتمام. إلا أنها في “ليست دو مارياج” تبدو أكثر تحرراً وبساطة، تمارس دورها بعيداً عن التكلف والطقوس المعتادة، منسجمة مع رؤية الكاتب ومقاربة المخرجة للنص وتنفيذه.
لا تميل رندة علم في فيلمها “ليست دو مارياج” إلى الاسترسال غير المبرر
يقدّم الفيلم حكاية لا تقوم على صراع حاد، بل على تتابع مشاهد سلسة تتنقل بخفة بين المواقف. قد يغيب عنصر المفاجأة في منتصف الأحداث، غير أن المزج بين الكوميديا والبعد الإنساني يأتي من دون افتعال أو مبالغة، ومن دون أن يفرض على المشاهد تركيزاً مرهقاً. ويساهم طاقم الممثلين في تعزيز هذا الإيقاع، إذ يخوضون التجربة بروح عفوية متجانسة تعكس انسجاماً واضحاً على الشاشة.
يبقى واقع إنتاج السينما اللبنانية متقلباً؛ إذ تغيب أحياناً الهوية الواضحة عن بعض الأعمال، لا سيما تلك المرتبطة بموضوعات الحرب، وتتزاحم في المشهد أنماط سينمائية متأرجحة تُبعد الإنتاج عن خط ثابت المعالم. ومع ذلك، تنجح السينما اللبنانية بين حين وآخر في تقديم فيلم بقصة بسيطة وإمكانات مالية محدودة، لكنه قادر على خطف الاهتمام وتغيير المعادلة، مؤكداً أن في لبنان طاقات خلاقة تستطيع صناعة عمل يحمل مقومات السينما الحقيقية ويستحق التقدير.
