انطلقت مساء الخميس فعاليات الدورة الـ76 من مهرجان برلين السينمائي الدولي، أحد أبرز المنصات العالمية للفن السابع، في قصر” Berlinale Palast” بالعاصمة الألمانية، وسط حضور جماهيري ونخبوي لافت.
وافتُتحت الدورة بفيلم “No Good Men” للمخرجة الأفغانية الألمانية شهربانو سادات، على أن تستمر فعاليات المهرجان حتى 22 فبراير/ شباط، مقدمة عشرة أيام من العروض السينمائية المتنوعة.
ويعرض المهرجان أكثر من 200 فيلم من نحو 80 دولة، بينها 22 فيلمًا في المسابقة الرسمية تتنافس على جائزة “الدب الذهبي”، أرفع جوائز “البرليناله”.
أسماء عالمية في مهرجان برلين السينمائي الدولي
وتشهد المسابقة الرسمية هذا العام حضورًا بارزًا لعدد من الأسماء السينمائية العالمية، من بينهم المخرج المجري كورنيل موندروتسو، ولمخرج البرازيلي من أصول جزائرية كريم عينوز.
كما تضم القائمة فيلم “روز” للمخرجة الفنلندية هانا بيرغو، وفيلمًا جديدًا للمخرج الأميركي لانس هامر، يجمع بين النجمة الفرنسية جولييت بينوش والممثل البريطاني توم كورتيناي.
رغم الأجواء الاحتفالية التي ميّزت ليلة الافتتاح، بما فيها السجادة الحمراء وحضور النجوم، فإن الحدث سرعان ما دخل في دائرة الجدل السياسي.
ومن داخل قاعة Berlinale Palast، أعلنت المديرة الفنية تريشيا تاتل انطلاق المهرجان، مؤكدة أن البرليناله فضاء للفن والحوار الثقافي بعيدًا عن السياسة. غير أن هذا الموقف وُضع سريعًا على المحك، بعدما رفضت الإجابة عن سؤال صحافي حول توصيف ما يجري في غزة من إبادة جماعية، ما فتح نقاشًا واسعًا داخل القاعة وخارجها.
مُنحت النجمة العالمية ميشيل يوه جائزة “الدب الذهبي” – غيتي
بدوره، شدد رئيس لجنة التحكيم، المخرج الألماني فيم فيندرز، على أن مهمة اللجنة تقتصر على تقييم الأفلام فنيًا فقط.
ردود الفعل لم تتأخر. فقد أعلنت الكاتبة والناشطة الهندية أرونداتي روي انسحابها من المشاركة، معتبرة أن الحياد في لحظات المأساة موقف بحد ذاته.
وفي تطور آخر، أعلن المنتج السوداني أمجد أبو العلا سحب فيلمه “كارت أزرق”، احتجاجًا على رفض السلطات الألمانية منح فريق العمل تأشيرات دخول بدعوى مخاطر الهجرة.
وسط الأجواء المشحونة، جاء عرض فيلم الافتتاح ليعيد التركيز إلى الشاشة الكبيرة، إذ تناول فيلم “No Good Men” واقع النساء في أفغانستان، مقدمًا سردًا إنسانيًا في بلد أنهكته الصراعات.
وفي لحظة تكريم لافتة، مُنحت النجمة العالمية ميشيل يوه جائزة “الدب الذهبي” الفخرية عن مجمل أعمالها، وسط تصفيق حار من الحضور، فيما أضفى حضور نجم هوليوود إيثان هوك مزيدًا من البريق على السجادة الحمراء.
حضور عربي بارز ومتنوّع
وتشهد الدورة الحالية حضورًا عربيًا لافتًا، من خلال سبعة أفلام طويلة جديدة وفيلمين قصيرين وثلاثة أفلام كلاسيكية.
من بين المشاركات العربية، فيلم “بيت الحس” للمخرجة التونسية ليلى بوزيد، وفيلم “لمن يجرؤ” للمخرجة اللبنانية دانيال عربيد.
كما يشارك الفيلم المصري “خروج آمن” للمخرج محمد حماد في قسم بانوراما، بينما يحضر المخرج السوري توفيق صابوني عبر وثائقي “الجانب الآخر من الشمس”، الذي يوثق تجربة ناجين يعودون إلى سجن صيدنايا لإعادة تمثيل معاناتهم.
كما يشارك المخرج الفلسطيني عبدالله الخطيب في فيلمه الروائي الطويل الأول ويحمل عنوان “وقائع زمن الحصار” عبر عرض عالمي أول.
هكذا افتتحت الدورة الجديدة من مهرجان برلين بين الاحتفاء والانسحاب، بين خطاب ثقافي يرفع شعار الحياد وواقع سياسي يفرض أسئلته الثقيلة.
وفي مدينة مثل برلين، التي عرفت الانقسام ثم الوحدة، بدا المشهد انعكاسًا لعالم متوتر تبحث فيه السينما عن دورها.
الجدل السياسي في المهرجانات السينمائية
في معرض الإجابة عن سؤال حول الانطلاقة المتوترة للمهرجان، وما إذا كانت الانسحابات تضعف صورته أو تعكس طبيعته كمنصة تتقاطع فيها السينما مع قضايا العالم، أوضح الناقد السينمائي طارق الشناوي أن العلاقة بين الفن والسياسة، وبين الثقافة والسياسة، تظل دائمًا محل جدل، خصوصًا في المهرجانات السينمائية.
وفي حديثه لبرنامج “ضفاف” على شاشة “العربي 2″، أشار الشناوي إلى أن الجدل الأخير ارتبط برد رئيس لجنة التحكيم، الذي عبّر عن قناعته بأن السينما لا تغيّر طبيعة السياسة، وأنها لا تدخل في المعارك الساخنة بل ربما تتفاعل معها لاحقًا عندما تهدأ الأوضاع.
وأضاف أن هذا الرأي يظل شخصيًا، إذ إن المهرجانات الكبرى، مثل برلين، غالبًا ما تتخذ مواقف سياسية واضحة، كما حدث في دعمها لأوكرانيا خلال الهجوم الروسي، حيث استضافت كلمات مباشرة للرئيس فولوديمير زيلينسكي.
وأكد الشناوي أن انسحاب المخرج السوداني، رغم أهميته، لا يرتبط بالمهرجان نفسه بل بمشكلات إجرائية تتعلق بالحصول على تأشيرات الدخول، وهي معاناة يعرفها كثيرون في العالم العربي عند السفر إلى أوروبا.
وأوضح الشناوي أن المهرجانات لا تتحكم في منح التأشيرات، وأن الإجراءات الأمنية المعقدة تجعل الحصول على فيزا لبعض الدول أشبه بالمستحيل، وهو أمر يتعارض مع منطق العدالة.

أما عن المشاركة العربية، فقد شدد الشناوي على أن السينما العربية حاضرة بشكل متنوع، من تونس والمغرب والجزائر ولبنان وفلسطين ومصر وأحيانًا السودان، بل وحتى دول لا تملك صناعة سينمائية راسخة.
وتوقف عند مشاركة المخرج الفلسطيني السوري عبد الله الخطيب، معتبرًا أن فيلمه يمثل ردًا عمليًا على المهرجان، ويؤكد أن غزة ما زالت حاضرة في وجدان منظمي برلين، وأنه لا يوجد تعمد لإقصاء فلسطين أو غزة عن المشهد.
وأضاف أن ليس كل السينمائيين العرب لديهم الرغبة أو الأدوات اللازمة للمشاركة في المهرجانات الكبرى، إذ يتطلب الأمر فهمًا عميقًا للغة السينما والفكر الذي تبحث عنه هذه الفعاليات.
