يبدو أن الشاشة الرمضانية هذا العام لا تعبر عن مجرد «موسم جديد»، بل تصيغ مشهدا هو فى حد ذاته إعلان صريح عن انقلاب بنيوى فى استراتيجية الإنتاج لدى «الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية».. هذا العام، لا نرى مجرد تنوع فى الحكايات، بل نلمس نضجا فى إدارة «الأصول الفنية» (النجوم)، حيث انتقلت الاستراتيجية من «الاستثمار فى المضمون» إلى «الاستثمار فى المدهش»، عبر فلسفة تقوم على تفكيك الصورة الذهنية الراسخة للممثل وإعادة بنائها فى قوالب غير متوقعة.


هذا يكشف عن تحول جذرى، من «الموسم الممتد» إلى «التكثيف النوعى»، حيث تشهد خارطة 2026 الرمضانية تحولا جذريا فى فلسفة العرض، فلم يعد الرهان على «الكم» الزمنى (الـ30 حلقة) هو السيد، بل أصبح «الكيف» الدرامى هو المحرك، هذا يفسر طغيان مسلسلات الـ15 حلقة، والذى يتواصل من مواسم سابقة، بما يمثل استجابة واعية لمتطلبات العصر الرقمى، وميل الجمهور إلى الإيقاع السريع والدراما المركزة التى تخلو من «ترهل السرد».


علاوة على ذلك، تبرز ظواهر موضوعية لافتة، منها «الدراما الاشتباكية» التى تتقاطع مع الواقع السياسى العربى كما فى «صحاب الأرض» إخراج بيتر ميمى، و«الدراما التوثيقية» التى تفتح ملفات الأمن القومى فى «رأس الأفعى» إخراج محمد بكير، و«النوستالجيا» الزمنية التى تستدعى حقب الأربعينيات والثمانينيات ليس كديكور، بل كإطار لتحليل التحولات الاجتماعية المصرية.


ثمة كسر للنمط يؤدى إلى الرهان الأكبر على «خلع القناع»، بما يمكن أن نعتبره الظاهرة الأكثر عمقا وإثارة للجدل فى موسم 2026  ويحتاج فعليا التوقف عند تكسير الأنماط الذهنية للأبطال، فقد عانت الدراما المصرية لسنوات طويلة من «تنميط النجم»، واعتياد أن يُسجن الفنان فى قالب ينجح فيه، فيكرره حتى يفقد بريقه.


لكن هذا العام، قررت «المتحدة» والمنتجون المشاركون اللعب فى منطقة «المخاطرة المحسوبة»، عبر دفع النجوم إلى مناطق تمثيلية نقيضة تماما لما اعتاده منهم الجمهور، كهذه الانعطافة الكوميدية المفاجئة للفنان ياسر جلال، بعد سلسلة من النجاحات فى أدوار «الرجل القوى»، «البطل الشعبى»، أو «رجل المخابرات» الرصين، لننتظره كيف يظهر فى مسلسل «كلهم بيحبوا مودى» إخراج أحمد شفيق، وفيه يتخلى عن «الهيبة» الصارمة لصالح «اللايت كوميدى»، من خلال تجسيده شخصية رجل الأعمال «المُدلل» الذى يفقد ثروته ويحاول استعادتها عبر زيجة مصلحة من طبقة شعبية، هو اختبار حقيقى لقدرة ياسر جلال على ملامسة الكوميديا الاجتماعية، هذا الكسر للنمط يعكس ثقة فى مرونة النجم وقدرته على إعادة اكتشاف نفسه فى منطقة «السهل الممتنع».


أما يوسف الشريف الذى ارتبط اسمه لسنوات بالخيال العلمى، الغموض المعقد، والرسائل المشفرة التى تحتاج لفك طلاسم، فى «فن الحرب» إخراج محمود عبدالتواب، يخلع يوسف الشريف عباءة «العبقرى الغامض» ليرتدى ثوب الشاب الذى يطارد حلما بسيطا وهو التمثيل، ثم يصطدم بواقع «النصب» والانتقام الاجتماعى.


هذا التحول ليس مجرد تغيير فى القصة، بل هو رهان على «الممثل» داخل يوسف الشريف، بعيدا عن «الإبهار البصرى» والتقنيات التى كانت تحيط بأعماله السابقة، كما أنه عودة للدراما الإنسانية البحتة، حيث الصراع داخلى واجتماعى التكنولوجى.


بينما يواصل أحمد أمين، الذى ثبّت أقدامه كأحد أهم نجوم الكوميديا والدراما الإنسانية العميقة، فى «النص التاني» إخراج حسام على ذهابه إلى منطقة شائكة وهى «الجاسوسية التاريخية»، إذ يقدمها بأسلوب غير تقليدي، بل يمزجها بالمفارقة والكوميديا السوداء فى إطار الأربعينيات.. الرهان هنا هو تقديم «البطل القومى» بملامح إنسانية بسيطة ومضحكة أحيانا، ما يكسر الصورة النمطية والمقدسة لأعمال الجاسوسية، ويجعلها أكثر قربا من جيل الشباب.


هنا بالذات نلحظ صراع «الهوية الفنية»، يمثل مسلسلا «فن الحرب» و«النص التانى» ذروة هذا التحول الاستراتيجى، فهما ليسا مجرد عملين دراميين، بل هما رحلة «إعادة اكتشاف» لقطبين من أهم أقطاب الدراما المصرية، كل منهما قرر الانقلاب على تاريخه الشخصى.


يوسف الشريف من «تكنولوجيا الغموض» إلى «وجع الواقع»، لسنوات، من «المهندس» الذى يبنى عوالم موازية من الخيال العلمى، الرسائل المشفرة، والغموض الذى يحتاج إلى «كتالوج» لفك طلاسمه، إلى هذا الشاب الذى يطارد حلما بسيطا.


أحمد أمين من «الكوميديا الفلسفية» إلى «عبثية الجاسوسية»، على الجبهة الأخرى، يكسر أحمد أمين نمط «البطل التلقائى» الذى قدمه فى أعماله السابقة، التحدى هنا ليس فقط فى العودة بالزمن، بل فى تقديم «العميل المزدوج» بصبغة إنسانية كوميدية مغلفة برائحة الحرب العالمية الثانية.


بينما يذهب يوسف الشريف نحو «التجرد» من الإبهار ليعود للدراما الخام، يذهب أحمد أمين نحو «التعقيد» التاريخى ليعيد صياغة الكوميديا، كلاهما يهرب من منطقته الآمنة، الشريف يهرب من «المستقبل» إلى «الحاضر المؤلم»، وأمين يهرب من «المعاصرة» إلى «تاريخية الصراع».


لا يقتصر كسر النمط على الرجال، بل تمتد هذه الاستراتيجية لتشمل النجمات، اللاتى يقدمن هذا العام أدوارا تبتعد عن «المثالية» أو «النمطية الأنثوية» التقليدية.


تأتى حنان مطاوع فى مسلسل «المصيدة» إخراج مصطفى أبوسيف، لتقدم نموذجا فريدا للبطولة النسائية القائمة على «الذكاء الجبرى»، حنان، التى عودتنا على أدوار المرأة القوية الصامدة أو الشخصيات النفسية المركبة، تدخل فى «المصيدة» صراعا من نوع مختلف، صراعا يجمع بين الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التى تدفعها لاتخاذ قرارات أخلاقية رمادية، إنها ليست «الضحية» السلبية، بل هى «اللاعبة» التى تحاول النجاة فى عالم لا يرحم.


ينضم لهذا المعسكر النسائى القوى: هند صبرى فى «منّاعة» إخراج حسين المنباوى، تخلع رداء «المرأة المهنية» الأنيقة لتغوص فى قاع «الباطنية» فى الثمانينيات، فى دور يتطلب خشونة فى الأداء وتعاملا مع بيئة إجرامية لا تعترف إلا بالقوة.


كما تأتى ريهام عبدالغفور فى «حكاية نرجس» إخراج سامح علاء، وتقدم واحدة من أجرأ صور «الاضطراب النفسى» الناتج عن الوصم المجتمعى، لتكسر صورة «المرأة الصابرة» وتقدم نموذجا للمرأة التى تقرر «تحقيق العدالة بنفسها» حتى لو كان الثمن هو الهاوية.


أمل روجينا فى «حد أقصى» إخراج مايا أشرف زكى، فهى تخرج من أدوار التراجيديا المباشرة لتدخل منطقة «الدراما البنكية» وغسيل الأموال، واضعة المرأة فى قلب الجريمة الاقتصادية غير المقصودة.


لماذا الرهان على التغيير الآن؟ هذا هو السؤال الذى يواكب التحول فى الاستراتيجية الدرامية ويحاول أن يضعنا أمام نقطة رئيسية وهى أن التحول لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج لعدة عوامل، منها: تشبع الجمهور، حيث إن المشاهد  أصبح أكثر ذكاء وانفتاحا بفضل المنصات العالمية، لم تعد «الفورمات» الثابتة للنجم كافية لجذب الانتباه، بل أصبح «التغيير» هو العملة الوحيدة التى تشترى بها فضول المشاهد.


فالتنميط هو «مقبرة الفنان»، من هذا فإنه بدفع النجوم لتغيير جلودهم، تضمن الشركة المتحدة تجديد دماء هؤلاء النجوم ومنع وصولهم لمرحلة «الملل الإنتاجى».


كذلك فإن تعدد الرؤى الإخراجية ووجود مخرجين من مدارس مختلفة «مثل تامر محسن، بيتر ميمى، السدير مسعود، خالد الحلفاوى و… غيرهم» يسهم فى إقناع النجوم بالخروج من مناطق راحتهم (Comfort Zones)، لأنهم يثقون فى «العين» التى ستدير هذا التحول وتضمن جودته.


نخلص من كل ذلك وبرؤية استشرافية قبل العرض إلى أن دراما رمضان 2026 تؤسس لمرحلة «النضج الإنتاجى»، لم يعد النجم هو من يفرض «شروطه» أو «شخصيته» على العمل، بل أصبح «المشروع الدرامى» هو السيد، كسر النمط والرهان على التغيير، ليس مجرد مغامرة فنية، بل هو «ضرورة وجودية» للدراما المصرية لتظل فى صدارة المشهد العربى.


نحن أمام موسم يعد بالكثير، ليس فقط على مستوى الترفيه، بل على مستوى «إعادة الاعتبار» لفن التمثيل كقدرة على التلون والتحول، ولفن الإنتاج كعملية استراتيجية تهدف للتطوير الدائم وكسر جمود القوالب الجاهزة.