في التاريخ، كان الطيران اختراعاً تقنياً، لكنه في المخيلة الإبداعية هو فعل احتجاج جسدي، وهذا ما نتبيّنُه في روايتَي “طيران” للكاتب المصري محمد جمال، وفي “النورس جوناثان ليفينغستون” للروائي الأميركي ريتشارد باخ، في كلتا الحالتين ثمّة أجساد قرّرت أن تتخفّف من كتلتها لتعيش معناها الخاص. كما يجد هذا الاحتفاء بالخفّة صدىً بصرياً في لوحة “إيكاروس” للرسام الفرنسي هنري ماتيس. ففي الوقت الذي كان فيه العالم يرزح تحت ركام الحرب العالمية الثانية، رسم ماتيس إيكاروس ككتلة ترقص في فضاء أزرق. هنا يلتقي الفن بالأدب، فإيكاروس ماتيس يملك قلباً نابضاً في منتصف صدره، كأنه يقول إن الطيران والسقوط هو فعل نابع من العاطفة لا من الحسابات.
يقدّم الكاتب المصري محمد جمال، في روايته “طيران” (المحروسة، 2021) التي تُوّجت مؤخّراً بجائزة إدوارد الخراط للإبداع الأدبي، نصاً عجائبياً حيث يتمثّل الطيران بوصفه حالة عصيان فيزيائية ضد سياق سياسي واجتماعي. يختار الكاتب عام 2005، العام الذي بدا فيه أن كل شيء في مصر يترسخ في مكانه، ليطلق العنان لإسكندرية طائرة. تتجسد ذروة المفارقة في الرواية عبر شخصية سندس؛ الابنة الشرعية لصلب السلطة (ابنة برلماني وشقيقة ضابط)، والتي يكتسب طيرانها بُعداً انشقاقياً عن ثقل الطبقية والسياسة. تمثّل سندس النقيض التام لكلّ ما يمثله والدها وأخوها من ثبات ورسوخ في الأرض لتصبح “كاهنة النورس” التي تقود الجموع.
يأخذ الطيران في رواية بُعداً انشقاقياً عن ثقل الواقع السياسي
لا ينفصل هذا التحليق عن ذاكرة الأدب؛ إذ يمارس محمد جمال تناصاً مع أسطورة إيكاروس الإغريقية وبعض شخصيات ماركيز، لكنه يقلب المعادلة، فإذا كان إيكاروس الميثولوجي قد سقط لأن الشمس أذابت أجنحته الشمعية، فإن أبطال “طيران” يطيرون بأجسادهم العارية من أي وسيط، محوّلين السقوط نفسه إلى وجه آخر للحرية.
على الضفة الأُخرى، تأخذنا رواية “النورس جوناثان ليفينغستون” للروائي الأميركي ريتشارد باخ إلى فضاء نُخبوي وفلسفي. الرواية التي صدرت لأول مرة عام 1970 (ترجمها محمد عبد النبي لدار الكرمة عام 2016)، تحكي قصة الروح البشرية في سعيها للكمال. بالنسبة لـ “السرب”، الطيران هو وسيلة للوصول إلى فتات السمك، أما بالنسبة لجوناثان، فهو الغاية في ذاته.
استلهم باخ النص من شغفه طيارا محترفا، ويظهر الصراع في الرواية ليس ضد سلطة سياسية بالمعنى المباشر، بل هو حرب ضدّ “سلطة العادة”. والنورس جوناثان يرفض أن يكون محدوداً بأوامر الطبيعة، ويؤكّد أن السماوات ليست مكاناً، وفي الفصل الرابع الذي أضافه باخ لاحقاً (عام 2013)، يوجّه صرخة بليغة لإنسان القرن الواحد والعشرين المطوق بالطقوس والأمان الزائف على حساب الحرية، مؤكداً أن القانون الصحيح الوحيد هو الذي يؤدي إلى التحرر.
