في القارة السمراء، حيث تلتقي الجغرافيا الوعرة بالابتكار الاضطراري، تحولت بعض قصص التهريب الغريبة هناك إلى سيناريوهات تتأرجح بين الواقع وشاشات السينما، لأنها لم تكن مجرد جرائم، بل كانت عمليات «لوجستية» خارقة للطبيعة.

واقعة «الجنازة الوهمية» في مالاوي، التي كُشف عنها اليوم، بمثابة حلقة في مسلسل طويل من الصراع بين الحاجة المعيشية وحماية البيئة في القارة السمراء. فالقضية لا تتعلق فقط بحادثة تهريب، بل تعكس أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة تدفع الأفارقة لابتكار طرق غريبة للبقاء على قيد الحياة.

المهربون في منطقة «تشيكواوا» بمالاوي لجؤوا إلى سيارة نقل الموتى واستخدام «نعش فارغ» كغطاء استراتيجي على تهريب الفحم النباتي، لأنه في الثقافة الأفريقية والمالاوية، تحظى الجنازات باحترام قدسي؛ ومن النادر جداً أن تقوم الشرطة أو مأمورو الغابات بتفتيش نعش أو إيقاف موكب جنائزي، ما يجعلها الوسيلة المثالية للمرور عبر نقاط التفتيش من دون إثارة الشكوك.

ليست يتيمة

هذه الواقعة ليست يتيمة، فعلى غرار سيارة الموتى في مالاوي، استُخدمت سيارات الإسعاف لتهريب المعادن النفيسة مثل الذهب والزمرد والعاج.

وفي تكتيك بهلواني، يتم تشغيل صافرات الإنذار وإيهام نقاط التفتيش بوجود حالة طبية طارئة. في إحدى الوقائع، تم ضبط سيارة إسعاف بين زامبيا وزيمبابوي، لم تكن تحمل مريضاً، بل سبائك ذهب مخبأة داخل «أسطوانات الأكسجين» التي تم تفريغها وتعديلها تقنياً لتفتح من الأسفل.

وفي محاولة للتمويه على تجارة الهيروين والمخدرات الصلبة عبر الحدود، جرى في واقعة بموزمبيق استخدام المنتجات الغذائية الأساسية، بحيث عبّأت أكياس دقيق كبيرة بعبوات صغيرة مغلفة بإحكام بمواد تمنع تسرب الرائحة (لتضليل الكلاب البوليسية)، ثم وضعت وسط شحنات قانونية من المعونات الغذائية أو البضائع التجارية المتجهة للمدن الكبرى.

وفي بعض مناطق تهريب الألماس، يتم اللجوء لأساليب صادمة تعتمد على الوازع الديني أو الخوف من «السحر»، إذ تُخبأ البضائع المهربة داخل ثياب أشخاص يمثلون أدوار «المجذوبين» أو المصابين بأمراض معدية ومنفرة جداً، مراهنين على أن رجال الأمن سيتجنبون لمسهم أو تفتيشهم بدقة خوفاً من العدوى أو «اللعنة».

ومع تطور التكنولوجيا، بدأ المهربون في جنوب أفريقيا باستخدام درونات لنقل السلع الثمينة وخفيفة الوزن عبر الحدود المحصنة. يتم ذلك عبر برمجة الدرونات للطيران على ارتفاعات منخفضة جداً لتجنب الرادارات، وتقوم بإسقاط الشحنات في نقاط جغرافية محددة بـ (GPS) حيث ينتظرهم الطرف الآخر.

وبين تنزانيا وكينيا، يعد تهريب الوقود المدعوم أو الفحم النباتي عبر الحدود أمراً شائعاً باستخدام الشاحنات الكبيرة، حيث يتم تصميم خزان وقود إضافي وهمي للشاحنة. يبدو من الخارج كأنه خزان ديزل عادي، لكنه في الواقع «صندوق مخفي» يُفتح بآلية إلكترونية ويُستخدم لتهريب جلود الحيوانات البرية أو السجائر غير القانونية.

أعمال سينمائية

بعض قصص التهريب في أفريقيا تحولت إلى أعمال سينمائية عالمية، لأنها لم تكن مجرد جرائم، بل عمليات «لوجستية» خارقة للطبيعة ألهمت السينما وتحولت بالفعل إلى أفلام على غرار «سيد الحرب» (Lord of War) الذي يحكي عن تهريب السلاح في ليبيريا وسيراليون، وهو مقتبس عن شخصية حقيقية لمهرب السلاح فيكتور بوت، الملقب بتاجر الموت.

ويعالج فيلم «ألماس الدم» (Blood Diamonds) قصة لا تقتصر على التهريب، إنما يكشف الجانب المظلم لصناعة الحلي العالمية من خلال توثيق كيف كان المهربون يخبئون الألماس داخل «جروح جسدية» مفتوحة، أو داخل أمعاء الماعز، أو حتى في ريش الطيور، لتهريبها عبر الحدود إلى غينيا وليبيريا ومنها إلى أسواق أوروبا.

• النتيجة: أدى هذا الفيلم (بطولة دي كابريو) إلى تغيير القوانين الدولية ونشوء «نظام كيمبرلي» لتوثيق مصدر الألماس، لمنع التهريب الذي يمول الحروب الأهلية.

في أفريقيا – حيث التهريب غالباً ما يكون نضالاً ضد الجغرافيا – المهرب لا يواجه الشرطة فقط، بل يواجه التماسيح، والغابات الكثيفة، والحدود التي رسمها الاستعمار ولا يعترف بها الواقع القبلي. وفي حادثة مالاوي يجدر بنا تذكر أن الـ30 حقيبة فحم وقيمتها 1747 دولاراً تعد ثروة في بلد يعاني من فقر مدقع.

وفي ظل هذا الواقع المرير، يجد القرويون في قطع الأشجار وإنتاج الفحم وسيلة وحيدة لتأمين السيولة النقدية، رغم علمهم بالضرر البيئي والقانوني، حيث تشير التقارير البيئية في مالاوي إلى أن البلاد تفقد مساحات شاسعة من غطائها الغابي سنوياً، بمعدل يعد من بين الأعلى في أفريقيا جنوب الصحراء.