المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
مفاوضات جنيف حول أوكرانيا ـ إشكالية الضمانات الأمنية والتنازلات الإقليمية في مسار التسوية
على أرض محايدة، يبحث مفاوضون من أوكرانيا وروسيا شروط إنهاء الحرب. يسود جو من انعدام الثقة، يجتمع في سويسرا ممثلون رفيعو المستوى من روسيا وأوكرانيا للتفاوض على إنهاء الحرب التي بدأت قبل أربع سنوات. وفي حين يسعى الجانب الأوكراني، بوساطة أمريكية، إلى التركيز بشكل أساسي على القضايا الإنسانية والضمانات الأمنية في محادثات جنيف، تهدف روسيا إلى انتزاع تنازلات إقليمية دائمة من جارتها. وقد اتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الروس بالتخطيط بالفعل لموجة جديدة من الهجمات العنيفة على المدن الأوكرانية. واستمرت الهجمات قبل انعقاد المحادثات. وصل وفد من كييف، برئاسة رستم أوميروف، أمين مجلس الأمن القومي والدفاع الأوكراني، إلى جنيف. وأعلن أوميروف: “تم الاتفاق على بنود جدول الأعمال، والفريق جاهز للعمل”. وكان قد أعلن أن وقفا جزئيا لإطلاق النار لحماية إمدادات الطاقة في أوكرانيا هدف للجولة القادمة من المحادثات. وإلى جانب أوميروف، يضم الوفد الأوكراني رئيس مكتب الرئيس، كيريلو بودانوف، ونائب وزير الخارجية، سيرغي كيزليتسيا، ونائب رئيس جهاز الأمن الأوكراني، فاديم سكيبتسكي.
يجب على الوفد الروسي التحليق فوق أراضي الناتو
أعلن الكرملين أن المفاوضات يجب أن تتجاوز القضايا الأمنية والعسكرية لتشمل النزاعات الإقليمية. وتطالب روسيا بانسحاب القوات الأوكرانية من المناطق التي تسيطر عليها في لوهانسك ودونيتسك، وتعتزم ضم هذه المناطق. ويرفض هذا الأمر رفضا قاطعا ليس فقط في كييف، بل من قبل حلفاء أوكرانيا الأوروبيين، الذين يحذرون من مكافأة روسيا على حربها ضد أوكرانيا، ويخشون أن يؤدي مثل هذا التسوية السلمية إلى تأجيج المزيد من الطموحات التوسعية.
يرأس الوفد الروسي، الذي يضم أكثر من 20 شخصا من موسكو، كبير المفاوضين فلاديمير ميدينسكي. ووفقا لمصادر روسية، يضم الوفد رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الروسية (GRU)، إيغور كوستيوكوف، ونائب وزير الخارجية ميخائيل غالوسين. وأفادت وسائل الإعلام الروسية الرسمية أن الوفد الروسي اضطر إلى تغيير مسار رحلته من موسكو إلى جنيف لعدة ساعات، نظرا لأن الطريق من روسيا إلى سويسرا يمر حتما فوق أراضي دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي، وقد منح تصريح التحليق بمساعدة الولايات المتحدة.
تعد المحادثات بين الأطراف المتنازعة في جنيف امتدادا لاجتماعات سابقة عقدت في الإمارات العربية المتحدة. وقد توسطت الحكومة الأمريكية برئاسة الرئيس دونالد ترامب في هذا اللقاء، حيث أرسل كبير مفاوضيه ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر. وإلى جانب الاجتماع الثلاثي، توجد خطط لإجراء محادثات روسية أمريكية لبحث سبل إعادة تنشيط العلاقات الاقتصادية بين البلدين.
زيلينسكي يحث على تسريع الإمدادات
قبيل انطلاق جولة المفاوضات الجديدة في جنيف، حذر الرئيس الأوكراني زيلينسكي من هجوم روسي واسع النطاق على منشآت الطاقة في أوكرانيا. وقال زيلينسكي: “لا تستطيع روسيا مقاومة الإغراء، وتريد توجيه ضربة موجعة للأوكرانيين في الأيام الأخيرة من برد الشتاء”. وأضاف: “على عكس الأوكرانيين، لا يرغب الروس في تقديم أي تنازلات. روسيا ترفض كل شيء، وتواصل هجومها على خطوط المواجهة، وتشن غارات جوية على مدننا وإمدادات الطاقة لدينا”. لذلك، يجب إجبار القيادة في موسكو على إحلال السلام، على سبيل المثال من خلال فرض عقوبات جديدة.
كما دعا زيلينسكي الحلفاء الغربيين إلى الإسراع في تعزيز الدفاعات الجوية الأوكرانية. وأكد الرئيس قائلا: “من الضروري تنفيذ ما ناقشناه مع شركائنا في ميونيخ (خلال مؤتمر ميزنيخ) على وجه السرعة”. فكلما طال انتظار الإمدادات، زادت الأضرار الناجمة عن الهجمات الروسية.
النتائج
تشير المعطيات إلى أن مسار الحرب سيتحدد وفق ثلاثة متغيرات رئيسية، توازن القوى الميداني، واستمرارية الدعم الغربي لأوكرانيا، وقدرة روسيا على تحمل الكلفة الاقتصادية والعسكرية طويلة الأمد. في المدى القريب، من المرجح عدم حدوث اختراق حاسم لأي طرف، ما يرجح استمرار نمط الاستنزاف المتبادل، مع تصعيد محدود يستهدف البنية التحتية للطاقة والعمق اللوجستي.
على الصعيد السياسي، قد تتحول جولات التفاوض إلى مسار طويل ومتقطع، يستخدمه الطرفان لإدارة الصراع لا لإنهائه فورا. أوكرانيا ستسعى إلى تثبيت ضمانات أمنية عملية، سواء عبر ترتيبات دفاعية ثنائية أو تعزيز قدراتها الذاتية، بينما ستحاول روسيا فرض واقع إقليمي جديد يكرس سيطرتها على مناطق النزاع. نجاح أي تسوية سيبقى رهنا بمدى استعداد الطرفين لتقديم تنازلات متبادلة، وهو أمر لا تبدو مؤشراته قوية في المرحلة الحالية.
اقتصاديا، سيستمر الضغط على روسيا عبر العقوبات، لكن قدرة موسكو على الالتفاف الجزئي عليها، خاصة عبر شركاء غير غربيين، قد تطيل أمد الصمود. في المقابل، سيشكل عبء إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي تحديا استراتيجيا لأوكرانيا، ما يجعل الدعم المالي الدولي عاملا حاسما في استقرارها الداخلي.
أمنيا، من المتوقع تسارع سباق التسلح الإقليمي في أوروبا الشرقية، مع تعزيز أنظمة الدفاع الجوي والانتشار العسكري قرب الحدود الروسية. كما قد يعاد تعريف مفهوم الردع الأوروبي، بحيث يصبح أكثر اعتمادا على التكامل الصناعي الدفاعي والتنسيق العملياتي.
على المدى المتوسط، قد ينشأ واقع “لا حرب ولا سلم”، حيث تتجمد خطوط التماس دون اعتراف قانوني نهائي، ما يخلق بؤرة توتر دائمة قابلة للاشتعال عند أي تحول سياسي أو عسكري كبير. أما السيناريو الإيجابي فيتطلب تغيرا جوهريا في الحسابات الاستراتيجية للطرفين، مدفوعا بضغوط داخلية أو تحولات دولية تعيد صياغة ميزان القوى.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=115070
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
