إذا كنت متابعا جيدا لأفلام الرسوم المتحركة الموجهة للأطفال، ستلاحظ التحول الواضح الذي جرى خلال السنوات العشرين الأخيرة سواء في الطريقة التي تقدم بها القصص أو طبيعة الرسائل الموجهة للجمهور. أصبحت الأفلام تتمحور حول حكايات أكثر تعقيدا تتعلق تارة بنمو الذات وأخرى بفهم المشاعر الداخلية وما يحيط ذلك من أسئلة وجودية، بدلا من الاعتماد شبه الكلي على الحكايات الخفيفة التي تميل إلى الوعظ.

لم يحدث ذلك التحول دفعة واحدة؛ وإنما تدريجيا، فقد شهد عالم صناعة الرسوم المتحركة دخول رواد جدد يدركون أن أطفال اليوم يملكون القدرة على استيعاب المعاني المركبة والتنقل بين المشاعر الثقيلة بنضج يفوق التوقعات.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

ومع تطور تقنيات التحريك وأساليب السرد، لجأ العاملون بالصناعة إلى ترويض الخيال واستخدامه كأداة عبقرية من شأنها التعبير عن الأفكار والأحاسيس التي يصعب الاعتراف بها أو التعامل معها بأريحية على أرض الواقع.

وهكذا تجاوزت الأفلام حدود المغامرة التقليدية، وصارت تستند إلى عوالم تستكشف مخاوف الطفولة وتساؤلاتها بلغة بسيطة، دون أن يفقد العمل عمقه أو صدقه.

في هذه القائمة، مجموعة من أفلام الرسوم المتحركة التي صدرت مؤخرا ونجحت في تجسيد هذا التغيير عبر تقديم خطاب أكثر قربا إلى وجدان الصغار والكبار في آن واحد.

الباندا الأحمر الكبير يتماس مع البيت العربي

على الرغم من الهوية الأمريكية للفيلم وخلفية أبطاله الثقافية الآسيوية، نجح فيلم الباندا الأحمر الكبير (Turning Red) في إحداث حالة تماس واضحة مع البيت العربي، من خلال تناوله العلاقة المضطربة بين ابنة مراهقة وأم مهووسة بالسيطرة، مستعرضا صدمة البلوغ الأولى بشيء من التفصيل والجرأة.

وسلّط العمل الضوء على صورة الابنة المثالية المطالبة دوما بتحقيق تطلعات الأسرة، ومحاولة التوفيق بين إرث العائلة والضغوط المجتمعية من جهة، واحتياجاتها الحقيقية ورغبتها في الحرية وبناء هوية مستقلة من جهة أخرى.

وهو ما جعل الفيلم جديرا بالمشاهدة، إذ يعكس أزمة الجيل الجديد بصدق، من دون أن يختزل نفسه في كونه مجرد عمل ترفيهي ممتع بصريا.

غير أن الفيلم، ورغم موجة النقاشات التي رافقت عرضه، والنصائح التي قدمها مختصون في علم النفس للأهل بضرورة استثماره كمدخل لفتح حوار مع أبنائهم المراهقين حول التغيرات الجسدية والمشاعر الأولى تجاه الجنس الآخر، واجه هجوما واسعا من معارضين رأوا فيه دعوة إلى التمرد على السلطة الأبوية، ما أدى إلى منعه من العرض في الكويت.

روح وفلسفة التأويل الشخصي

إذا ما عدنا إلى أفلام الرسوم المتحركة في تسعينيات القرن الماضي، نجد أنها كانت تقوم غالبا على حكايات بسيطة، تدور حول قصة حب مثالية، أو صراع تقليدي بين الخير والشر، أو مغامرة تنتهي بعبرة أخلاقية لا تقبل الجدل أو التأويل.

في المقابل، لم تعد أفلام الرسوم المتحركة الحديثة معنية بطرح أسئلة مباشرة من قبيل: كيف ينتصر البطل؟ أو متى يظهر فارس الأحلام؟ بل باتت تطرح تساؤلات أكثر عمقا وتعقيدا، مثل: لماذا نعيش؟ وما معنى الشغف؟

وهي الأسئلة التي عالجها فيلم روح (Soul)، الحائز على جائزتي أوسكار، والذي نال تقييما بلغ 8 نقاط على موقع “آي إم دي بي” (IMDb)، مؤكدا تحولا واضحا في فلسفة هذا النوع السينمائي نحو التأويل الشخصي والبحث الوجودي.

ورغم نجاح الفيلم جماهيريا وفنيا إلا أنه كان أحد أكثر التجارب جرأة في تاريخ بيكسار، ليس فقط على المستوى البصري، وإنما بسبب اختياره موضوعا فلسفيا يناقش معنى الوجود نفسه عبر رحلة روحانية بالكامل.

وبقدر ما قد يبدو ذلك عسيرا على أن يتلقاه الأطفال، لكن تقديم الحبكة بطريقة مرحة في ثوب أقرب إلى المغامرة، خفف من الثقل الفكري الذي صاحبها، وإن كان العمل لم يمنح من شاهدوه أي إجابات وترك لهم مساحة للخروج باستنتاجاتهم الخاصة.

يحسب للعمل اختياره تسليط الضوء على بطل لا تقاس حياته بما حققه من نجاح، الأمر الذي جعل الفيلم يتقاطع مع أوجاع الكبار أيضا، ويلقي عن كاهلهم حملا مرهقا تولد بعد أن أبعدتهم الحياة عن دروب الشغف وباتوا يقيسون أهميتهم بقدر الإنجازات خاصة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي والمقارنات الجاهزة.

آل ميتشيل وتحطيم أسطورة العائلة المثالية

لطالما صُورت العائلة في السينما بوصفها مصدرا للتناغم والحكمة، غير أن هذه الصورة بدأت تتفكك تدريجيا في أفلام الرسوم المتحركة الحديثة، بدءا من فيلم آل ميتشيل في مواجهة الآلات (The Mitchells vs. the Machines)، الذي قدّم العائلة باعتبارها جزءا من المشكلة، لا الحل، في ظل الثورة التكنولوجية المتسارعة وغياب لغة مشتركة للتواصل بين الأجيال داخل البيت الواحد.

ويمتد هذا التحول إلى فيلم إليمنتال (Elemental)، الذي يتناول تجربة الابن داخل عائلة متشددة تقاوم التغيير، ليضعه في صراع داخلي بين واجب الاستمرار في إرث العائلة وحقه في الانطلاق وبناء مساره الخاص.

وجاء ذلك من خلال حبكة فانتازية تدور أحداثها في مدينة يسكنها أبناء العناصر الأربعة: الأرض والماء والنار والهواء، بوصفهم استعارات رمزية للتنوع الثقافي.

ومن خلال هذه الرمزية، يرصد الفيلم مصير أسرة مهاجرة تسعى للتشبث بعاداتها وتقاليدها، وترى في اندماج ابنتها مع المجتمع المحيط تهديدا لهويتها، لا سيما حين تقع في حب شاب ينتمي إلى عنصر مختلف، في تجسيد واضح لصدام الثقافات والأجيال.

وصولا إلى فيلم “أونورد/إلى الأمام” (Onward) الذي يمزج بين الفانتازيا (Fantasy) والدراما العائلية من خلال حكاية شقيقين يقرران استخدام تعويذة سحرية في محاولة يائسة منهم لاستعادة والدهم الراحل لمدة يوم واحد فقط.

يناقش العمل فكرة العائلة الناقصة وما يفعله الغياب بمن تبقى من أفرادها، فبين غياب الأب ووجود الأم كراعية مثقلة بالمهمات يتحول الأخ الأكبر إلى بديل لوالده رغم هشاشته. وبدلا من إجبار الأبطال على تجاوز صدمة الفقد، ينتصر العمل للعلاقة الأخوية، معترفا بأن نقص العائلة جزء من التجربة وليس عيبا يستحق الإخفاء.

لوكا ورحلة البحث عن الذات

بعيدا عن صخب البطولات الخارقة، وفي أجواء بصرية آسرة مستوحاة من جماليات الريفيرا الإيطالية، تدور أحداث فيلم لوكا، أحد أنجح أفلام الرسوم المتحركة الحديثة، رغم ابتعاده عن القوالب التقليدية السائدة في الأعمال الموجهة للأطفال.

يروي الفيلم حكاية مخلوق بحري صغير يكتشف عالم البشر عبر صداقة غير متوقعة، لتقوده هذه العلاقة إلى مغامرة بسيطة داخل بلدة ساحلية هادئة.

ومن خلال هذه الصداقة، يعيد البطل اكتشاف ذاته ويواجه مخاوفه من الرفض، متسائلا عن معنى الانتماء وحدوده، قبل أن يجد نفسه منجذبا إلى عالم أوسع بكثير مما تخيلته عائلته يوما.

ورغم محدودية المخاطر الخارجية، فإن التحدي الأعمق في الفيلم يكمن في الرحلة الداخلية التي يخوضها البطل، خاصة حين يدرك أن عليه التصالح مع تناقضاته وقبول ذاته كما هي.

على المستوى الفني، قدم العمل تجربة بصرية ثرية اعتمدت على ألوان مشبعة وخطوط ناعمة أضفت على الشخصيات مسحة طفولية دافئة. أما إنسانيا، فطرح الفيلم المغامرة بوصفها رحلة لاكتشاف الذات، لا سعيا وراء مجد خارجي، في انعكاس لتحول لافت في فلسفة أفلام الرسوم المتحركة، التي باتت ترى في التفاصيل اليومية مادة كافية لبناء حكاية متكاملة تستحق أن تُروى على الشاشة.