جاكوب إلوردي ومارغو روبي في العرض الأول لفيلم “مرتفعات وذرينغ” بلندن، 5 فبراير (Getty)

    ظهر هيثكليف بطل “مرتفعات وذرينغ” أبيض البشرة، في أحدث فيلم اقتُبس عن الرواية للمخرجة إيميرالد فينيل، والذي عُرض منذ أيام بالتزامن مع الفالنتاين، ليثير انتقادات واسعة أشارت إلى إخلال في البنية الدرامية للرواية التي قرأتها صانعة العمل في الرابعة عشرة من عمرها. فحلمت ببطل أبيض، بحسب تصريحاتها التي دفعت بعض النقاد لاتهامها بالعنصرية. لكن لون بشرة هيثكليف مسألة أثارت الجدل منذ صدور الرواية لأول مرة عام 1847 باسم مستعار، قبل أن تُنسب لكاتبتها إميلي برونتي بعد سنوات قليلة.

    الخلاف على أصول البطل حضر بقوة في النقاشات الأكاديمية وفي دراسات ما بعد الاستعمار خلال الثمانينيات والتسعينيات، فالكاتبة أوردت أنه غجري وقذر ويشبه الشيطان لتصف هيئته الرثّة من دون أن يعني ذلك انتماءه للغجر، وتعددت الفرضيات. إذ تذكر الرواية أن السيد إيرنشو جلب هيثكليف من ليفربول التي كان يحطّ في مينائها خلال العصر الفيكتوري العبيد القادمون من المستعمرات البريطانية في الهند أو أفريقيا أو بلدان الكاريبي.

    التوتّر العرقي كان أساسياً في بناء العلاقة بين كاثرين إيرنشو وهيثكليف، فبعد أن عاملته مثل حيوان تستأنسه في منزلها، تولدت مشاعر حب جارف لم تنفصل طوال العمل عن الكراهية والانتقام بين العاشقين، ليُضاف التفاوت الطبقي بوصفه دافعاً آخر لبناء قصة مؤلمة، أرادت فينيل أن تحولها إلى حكاية رومانسية في فيلمها الجديد، مع كثير من توابل الإثارة والجنس.

    “تبييض” شخصية بطل الرواية لم يعد مقبولاً مثلما كان سابقاً 

    الألم والقسوة في “مرتفعات وذرينغ” جعلا تلقيها صعباً نسبياً، فهي الرواية المفضلة التي تتصدر قوائم القراء والنقاد لأكثر من قرن ونصف، وهي أيضاً رواية لم يكمل الملايين قراءتها كما توضّح مقالات ودراسات لا تزال تصدر حولها كل عام. هذه التركيبة ترتبط بهيثكليف الذي خلقته برونتي ليدور العمل كله حول شخصية مركبة ليس بسبب عِرقه المختلف وفقره فحسب، إنما لأن إيرنشو المفرط في شرب الكحول ومُعنّف الخدم والنساء، عامَل خادمه بلطفٍ من دون أن يتبناه ويمنحه اسم عائلته، وتجاهل ابنه هيندلي الذي لم يكلّ عن شتم وضرب هيثكليف رداً على سلوك والده. وبذلك رجّح باحثون أن يكون هيثكليف ابناً غير شرعي لإيرنشو، ليمنح شخصيته مزيداً من التعقيد فاندفع برغبة جامحة في إثبات تفوقه على أولئك الذين نبذوه.

    العقدة التي بُني عليها العمل أغوت أكثر من خمسة عشر مخرجاً في أوروبا والولايات المتحدة والفيليبين والهند، منهم لويس بونويل وروبرت فوست وبرايان فيريتر، لتحويله إلى فيلم، لكن إصرار السينما الأميركية والبريطانية تحديداً على تجاهل أصول هيثكليف أو إظهاره أبيض اللون غالباً هو ما دفع فينيل إلى اختيار الممثل الأسترالي جاكوب إلوردي لأداء دوره، لكن يبدو أن “تبييض” الشخصية لم يعد مقبولاً مثلما كان سابقاً في الأوساط الصحافية والفنية الغربية.

    فككت برونتي ثقافة عصرها القائمة على الإقصاء المبني على الجندر والطبقة والعرق، ورغم أنها لم تحدد هوية بطل روايتها إلا أنها وضعته في أقصى حدود النبذ، التي ترجمتها حبيبته كاثرين حين اعترفت لخادمتها بأن هيثكليف ليس مجرد حبيب، بل هو كيانها ولا تكفّ عن التفكير به، لكن ترفض الارتباط به لأنه أدنى منها مكانة؛ اعتراف دفعه للهروب من المنزل، والعودة لاحقاً للانتقام الذي يتواصل حتى بعد موت كاثرين، مهدداً بأنها لن تنعم بالراحة طالما هو حي. هنا، نقبض على خلاصة الرواية: حبيبان معذبان بسبب اختلافاتهما الثقافية والاجتماعية فيعذبان بعضهما بعضاً بأضعاف حبهما، وحين يتفوق الحبيب ذو المكانة الأدنى واللون الداكن لا يُصلح النظام الفاسد، بل ينتقم منه، حتى لو كان انتقامه إيذاء لنفسه قبل أن يكون إيذاء لمن ظلموه!