لم يدخل الممثل السوري تيم حسن موسم دراما رمضان 2026 من دون سلاح، فهذه المرة استعان “ببركات مولانا”، ضارباً على طاولة الدراما العربية بيد، وكأنه كتب عليها “لا تراهنوا على سقوطي فأنا لا أضاهى”. 

 

وبحلقة واحدة فقط هي أشبه بالضربة القاضية، أعاد تيم أسهم البوصلة إليه.

 

 

تيم حسن في مولانا

تيم حسن في مولانا

 

منذ المشهد الأوّل، قدّم تيم حسن في مسلسل “مولانا” شخصية جابر جادالله بطريقة مختلفة تماماً عن كل ما قدّمه سابقاً. لم يكن الأمر مجرّد أداء تمثيلي، بل إعادة صناعة كاملة للشخصية، تبدأ من التفاصيل الصغيرة وتصل إلى أبعاد نفسية واجتماعية لا يزال الجمهور في بداية رحلة اكتشافها.

 

في “مولانا”، اختصر تيم حسن المسافة بينه وبين المشاهد. رمى أمامه عيّنة واضحة من أدواته، ليعلن باكراً أن العطر المفضّل لجابر هو “شقفة حامضة”. تفصيل يبدو عابراً، لكنه ليس اختياراً عشوائياً، بل انعكاس لمرارة الحياة التي يعيشها، منذ مهنته كحفّار قبور وصولاً إلى الخذلان اليومي الذي يرافقه.

 

ولأنّ تيم حسن بات من الممثلين الذين يتعاملون مع المشاهد كما لو أنه جمهور حيّ على خشبة مسرح، ابتكر معجماً خاصاً في حديثه، وكأنه يلمّح منذ البداية: الأزمات آتية لا محالة. لكن قبلها، لنجرّب هذا التحدّي الجديد. يعرّف عن نفسه قائلاً:
“اسمي زابر، بس حرف الزاي مضروب عندي… يعني رايح زايي، زامع كنيسة، زدي ستي”.
أي أن اسمه جابر.

 

هذا الاشتغال على الحرف ليس زينة لغوية، بل إعلان هوية. شخصية تفرض إيقاعها، وتختار أن تعرّف نفسها بطريقتها الخاصة.

 

 

 

ومن هنا ننتقل إلى سؤال الهوية الأعمق الذي يفتحه صنّاع العمل مع تقدّم الأحداث. فجابر يقتل زوج شقيقته الذي اعتدى عليها بعنف. فعلٌ يتجاوز الانتقام الشخصي ليصبح تمرّداً على الظلم والنظام القمعي، لا سيما أن الشخصية المقتولة تابعة لنظام بشار الأسد. هذه المواجهة المبكرة كشفت بعداً أخلاقياً واضحاً في الشخصية، وأكدت أن الصراع في “مولانا” لا يقتصر على حكاية فرد، بل يمتد إلى مواجهة أشكال السلطة القاسية.

 

 

المسلسل لا يتوقف عند التشويق الشخصي، بل يطرح مجموعة من القضايا الكبرى، منها:

– طبيعة الأراضي الحدودية وصعوبة إدارتها في ظل النزاعات المستمرة.

– الخدمة العسكرية والضغوط الكبيرة التي تفرضها على الشباب.

– التهريب والهجرة غير الشرعية كخيار مؤلم أمام الواقع الاقتصادي والاجتماعي القاسي.

– واقع المناطق الريفية والمدن الصغيرة وتأثير الصراعات على حياة سكانها.

– شجر الزيتون المتأثر بالحروب، بوصفه رمزاً للثروة الوطنية والصمود.

– العنف الأسري ضد الزوجة، كما يظهر بوضوح في بداية الأحداث.

– أشكال النظام السوري القديم المختلفة وطرق سيطرته على المواطنين، كما يتجلى في شخصية زوج شقيقة جابر.

 

من العطر إلى الحرف والمعجم، من العباءة والتديّن إلى الفعل الأخلاقي المفتعل، تتجمّع هذه العناصر لتشكّل شخصية “مولانا” التي تحمل في جوهرها ثقل الصراعات الاجتماعية والسياسية، وتعلن أن اللعب الدرامي بدأ فعلاً… وما زال في بدايته.