في مسلسل “الست موناليزا”، لم تكتفِ الفنانة القديرة سوسن بدر بتقديم دور الأم الشرير التقليدي، بل نحتت تجسيداً حياً لـ “الشر المطلق” الذي يتخفى ببراعة خلف عباءة الأمومة الزائفة.
شخصية سميحة التي قدمتها نموذج صارخ للمرأة التي تجردت من فطرتها السوية، لتتحول إلى المحرك الأساسي لآلة الغدر والنصب، متلاعبة بكل من حولها من أجل بريق المادة والطمع الذي لا يشبع.
عبقرية التلون
تجلت عبقرية سوسن بدر في تلك القدرة المذهلة على التلون الحربائي؛ فهي تبدل جلودها في اللحظة الواحدة بين مسكنة مصطنعة تخفض فيها صوتها وتتكور على نفسها لتبدو تلك العجوز الضعيفة المغلوب على أمرها أمام كنتها التي تجسدها مي عمر، وبين دهاء شيطاني تتبدل فيه ملامحها فجأة لتصبح كأتون نار ملتهب وهي تخطط مع ابنها “حسن” للإيقاع بالضحية.
إنها الأم التي لم تكتفِ بإفساد حياتها، بل ربت جيلاً من المسوخ؛ فزرعت في ابنها الغدر، وفي ابنتها الانتهازية التي تلهث خلف المال بعيداً عن أي وازع أخلاقي، ضاربةً بعرض الحائط حتى بوجود زوجها المريض الكسيح الذي لم يعد يمثل لها سوى عبء أو واجهة هشة.

كل أدواتها حاضرة كممثلة
وما يثير القشعريرة في أداء سوسن بدر هو تلك “الأريحية الطاغية” التي تمارس بها الشر، فهي لا تبذل جهداً لتكون مكروهة، بل تنساب الشخصية منها بكل تفاصيلها المقززة من خلال لغة جسدية تتأرجح بين الانكسار المزيف والقوة المتجبرة، وتلاعب صوتي يقطر حناناً في مشهد ليتحول في الذي يليه إلى فحيح يخرّ بالملعنة. هذه المفارقة الشعورية العجيبة هي ما مكنها من انتزاع ضحكة مريرة من المشاهد عبر دهاء مشوب بالسم، قبل أن تدفعه فوراً للنفور والقلق من أفعالها اللأخلاقية.
ابداع في تجسيد الشّر
لا يسعنا أمام هذا الطوفان من الشر إلا أن نقرّ بأن سوسن بدر قد تفوقت على نفسها، حيث استطاعت ببراعة “الممثلة القديرة” أن تجعل من شخصية سميحة مادةً دسمة للكراهية المشروعة.
إن قدرتها على إيصال هذا الكم من القبح النفسي للمشاهد، وجعله يشعر بنفور حقيقي يقشعر له البدن، هو الدليل الأقوى على تمكنها من أدواتها؛ فهي تعيش الدور بجميع تناقضاته الشيطانية. لقد نجحت في أن تحول “سميحة” إلى أيقونة للشر المقيت، مخلفةً وراءها أثراً درامياً لا يُمحى، لتثبت مرة أخرى أنها رقم صعب في معادلة التجسيد النفسي المعقد، وقادرة على تطويع ملامحها لتكون مرآة لأبشع ما قد تحمله النفس البشرية من طمع وخسة.
الشيطان الرجيم
لقد قدمت سوسن بدر في “سميحة” درساً قاسياً في كشف المناطق المظلمة في النفس البشرية التي يتم تجميلها عادة، لتترك في نفوس المشاهدين حالة من المقت والنفور،بأداء باهر ونجاح في تجسيد “شيطان رجيم” يلعب على كل الحبال، ويثبت أن الأمومة حين يقتلها الطمع تصبح المنبع الأول للخراب والدمار.
تابعونا على مواقع التواصل الإجتماعي
مقالات ذات صلة
