رسخ محمد عمران أقدامه باعتباره أحد المنشدين الإذاعيين المميزين (فيسبوك)
بالرغم من أن الشيخ محمد عمران (1944 – 1994) ينتمي إلى محافظة سوهاج في صعيد مصر، استطاع أن يصبح أحد نجوم الإنشاد الديني القاهري، أي ذلك الإنشاد الشائع في القاهرة والدلتا، وليس الإنشاد الصعيدي الذي قاده شيوخ مبرزون، من أمثال أحمد التوني، وعبد العظيم العطواني، وياسين التهامي.
انتقل عمران من بلدته طهطا في سوهاج إلى القاهرة قبل أن يتم 12 عاماً، أي إن وعيه وميوله الفنية تشكلت في العاصمة وليس الصعيد. لكن كان لسوهاج دور مهم في تأسيسه، إذ حفظ القرآن كاملاً في طهطا، قبل أن يتعلم فن التجويد في مدينة طما في المحافظة نفسها.
سيمتد أثر هذه المرحلة المبكرة إلى سائر حياة الرجل، فقد ظل يطرح نفسه باعتباره شيخاً يجمع بين تلاوة القرآن وبين الإنشاد الديني، حتى من دون أن يُعتمد قارئاً في الإذاعة، التي قبلته منشداً فقط عام 1970، أي وهو في سن السادسة والعشرين.
امتلك عمران صوتاً جميلاً أخاذاً، وقدم طوال حياته أداء يؤكد أنه متشرب لأساليب أعلام الإنشاد، من طبقة علي محمود وطه الفشني ومحمد الفيومي، وعبد السميع بيومي، لكنه كان فناناً يقدم أسلوبه الخاص، من دون أن يتورط في تقليد ساذج، ولا يمكن لمن يتتبع تسجيلاته أن يضبطه متلبساً بجملة يحاكي بها شيخاً من المشاهير الذين سبقوه.
عاش حياته منشداً، يحظى باعتماد الإذاعة والتلفزيون، وقارئاً يتمتع باعتراف قطاعات جماهيرية وإعجابها في القاهرة والمحافظات، حتى ولو لم ينل الاعتماد الإذاعي.
جاءت بدايات شهرة الشيخ عمران، واعتماده منشداً في الإذاعة، مع إرهاصات التراجع الذي أصاب فني التلاوة والإنشاد في مصر. صحيح أن عدداً من كبار الشيوخ كانوا ما يزالون على قيد الحياة، لكن مع مرور السنوات، بدأت الساحة تخلو من الكبار، ومع دخول عقد الثمانينيات قبلت الإذاعة بأصوات لم يكن ممكناً أن تقبل بها قبل عشر سنوات فقط، ولم يتبق من المنشدين القدامى إلا الشيخان محمد الطوخي ونصر الدين طوبار، وكلاهما ينتمي إلى حقبة أسبق.
وبالرغم من ذلك، أصر عمران على أداء رصين لا يعرف الابتذال، ولا مجاراة الذائقة الشعبية التي نسيت النمط الأول الذي عرفته الجماهير من علي محمود وطه الفشني. حرص عمران على أن يكون نفسه، وأن يقدم لونه الخاص، المتسم بالغزارة المقامية، والمتانة الأدائية. وتلك مهمة تستلزم مع القدرة الصوتية إلماماً موسيقياً جيداً.
من سمات عمران أنه لم يتكبر يوماً على التعلم، ولم يتردد في التلمذة لكل من امتلك القدرة على العطاء العلمي والتدريب الموسيقي. ومن أهم محطات تكوينه الفني، لقاؤه خلال عقد السبعينيات بعازف الكمان المعروف عبده داغر، الذي كان قد اشتهر بتبني المواهب، وفتح بيته لتدريب العازفين والمطربين. لزم عمران داغر لسنوات، كانت كافية لنقله من مجرد شيخ منشد يعرف أسماء المقامات الموسيقية، إلى خبير أداء نادر، يحيط بأبعاد المقام، ويفهم أجناسه وعقوده، ويستوعب دائرة عمله، ويستطيع تصويره من درجات مختلفة.
يروي عبده داغر في لقاء مسجل أنه كان ينطلق مع عمران من سلم مقام الراست مثلاً، ويعلمه كيف تتداخل فيه أجناس العراق والبياتي والسيكاه، ثم ينطلق منه إلى مقامات أخرى تشترك في درجة الركوز، ثم إلى غيرها. تطورت المهارات الأدائية للشيخ عمران بمثل هذه الدروس، وأصبح رقماً مهماً في عالم الإنشاد الديني، ولا سيما مع امتلاكه صوتاً قوياً مطواعاً.
رسخ محمد عمران أقدامه باعتباره أحد المنشدين الإذاعيين المميزين، لكنه استمر طيلة حياته يجمع بين التلاوة والإنشاد، فكان يقبل الدعوات لقراءة القرآن في المحافل والسرادقات، وينتقل بين المحافظات لإحياء الليالي قارئاً أو منشداً أو كليهما. ولا ريب أن شخصية عمران المنشد دارس المقامات ومصاحب الموسيقيين والمطربين قد أثرت في عمران القارئ، فجاءت تلاوته مليئة بالقفزات، والاستعراضات السُّلمية، والتتالي النغمي، والإكثار من السلالم الملونة.
كما أكثر في تلاوته من استخدام مقامي النهاوند والكرد، وقدم منهما صيغاً غير معتادة، ذات مسحة غنائية غربية، فخالفت تلاوته عموماً، ومن هذين المقامين خصوصاً، الأساليب الموروثة عن القراء المصريين الكبار. لكن بقي لعمران جمهور يقدر تلاوته، بل يتعصب له أحياناً، فيرفعه إلى مرتبة أعلام القراء في القرن العشرين، ويذكر اسمه مقروناً بمصطفى إسماعيل وعبد الفتاح الشعشاعي ومحمد صديق المنشاوي.
ورغم انحياز عبده داغر إلى عمران، ودفاعه المتواصل عنه، رفض أن يكون الرجل قد بلغ مرتبة الشيوخ المبدعين المبتكرين؛ فهو، بنظره، قارئ تقليدي، لا يستطيع أن يجاري القراء والمنشدين القدماء، لأنهم -وفق تعبيره- “أبدعوا كل شيء”.
من الصعب قبول كلام داغر على إطلاقه، والمؤكد أن عمران أتى في تلاوته وفي إنشاده بتصرفات نغمية متميزة، لكن هذه التصرفات هي التي قسمت آراء المستمعين وكثير من المتخصصين في موقفهم من الشيخ، ما يعني أن الأسباب التي ينال بها عمران إعجاب المعجبين كانت هي عينها حيثيات الرفض والاعتراض عند المنتقدين. واختار فريق من أهل الدراية النغمية أن يفصلوا، فقبلوا تلك التصرفات العمرانية في الإنشاد الديني لكنهم رفضوها في التلاوة، ورأوا أنها تصرفات تتسم بغنائية لا تتناسب مع طرائق التنغيم القرآني.
ظهر اسم الشيخ عمران في مرحلة انتقالية، بين نهايات حقبة الأعلام، والاستعداد لحقبة الضعف والتراجع، بين نهاية عصر الإذاعة، وبدايات عصر الإنترنت. فمن جهة، كان صوته وأداؤه في تلك المنطقة الوسطى التي لا يستطيع معها أن يحقق الجماهيرية الكاسحة التي حققها الشيخان سيد النقشبندي ونصر الدين طوبار، ومن جهة أخرى، فإنه لم يقبل أن يتردى إلى الحالة الأدائية الشعبية التي واكبت انتشار الكاسيت. ومع جمال صوته وحسن أدائه بقيت له مكانته، وفهم كثير من معاصريه أنه يمثل حالة مختلفة عن كل ما هو مطروح على الساحة المشيخية.
تظهر تجربة محمد عمران نموذج المنشد القاهري الذي يؤدي وفق معايير الحداثة الإنشادية التي تزامنت مع أفول عصر الرعيل الأول، فنجح في صهر مرجعياته الصعيدية الأولى داخل القوالب الموسيقية الحضرية الأعقد. شكل انتقاله المبكر إلى القاهرة تحولاً معرفياً جذرياً جعل صوته حائراً بين وقار المشيخة” التقليدية وبين طموح الفنان الساعي إلى الامتياز النغمي.
استوعب مدارس علي محمود وطه الفشني ومحمد الفيومي باعتبارها بنى هيكلية للأداء، ثم أعاد إنتاجها برؤية ذاتية تعتمد على الاستقلال بدلاً من المحاكاة. وقد جعل هذا المسلك الفني من عمران صوتاً نخبوياً في زمن بدأت فيه الذائقة العامة تميل نحو التبسيط.. لقد تصارع في داخله القارئ المنضبط والمنشد المنطلق، ثم انعكس هذا الصراع الداخلي على أدائه قبل أن يُترجم إلى مواقف جماهيرية ونقدية تتصارع أيضاً حول مكانة الرجل على خريطة الشيوخ.
وإذا كان عمران قد ظهر صوتاً بين عهدين، فإن هذه الصفة لا تتعلق بالتاريخ الفني فقط، بل تتصل ببنية اجتماعية وثقافية كانت تشهد تحولات جذرية في تصورها للدين والفن والسلطة الرمزية للصوت. كان محمد عمران ابن لحظة تراجع المؤسسة الشفاهية التقليدية التي كانت تصنع الشيخ وتضبطه، وصعود فضاء فردي جديد يمنح المنشد والقارئ هامشاً أكبر للتشكيل الذاتي والاختيار الجمالي. من هذا المنظور، يمكن قراءة عمران بوصفه نموذجاً للشيخ الفرد، الذي يشكل ذاتاً فنية متفاعلة مع الموروث لا متماهية فيه.
رحل الشيخ محمد عمران في أكتوبر/تشرين الأول عام 1994، وعمره خمسون عاماً. في حياته، كانت الإذاعة هي وسيلة الجمهور إلى سماع صوته، عبر عدد محدود وقليل من تسجيلات الابتهالات والقصائد، فبقي جمهوره محدوداً.
لكن مع انتشار الإنترنت، وظهور المواقع الموسيقية، والمنتديات المتخصصة في الإنشاد الديني، بدأ كثير من الشباب يتعرفون إلى صوت الشيخ، أو يعيدون اكتشاف صوته في تسجيلات كثيرة خارج الدائرة الضيقة التي فرضتها عليه الإذاعة، كما استمعوا إليه قارئاً، له أسلوب خاص.
وإذا كانت تلاوته تعجب قطاعات جماهيرية، ولا ترضي قطاعات أخرى، فإن الأغلبية من المهتمين بفن الشيوخ متفقون أن محمد عمران كان خاتمة المنشدين المصريين الحقيقيين الكبار، من أصحاب الأصالة والتمرس والفهم، وأن الإنشاد الديني في مصر افتقد بغياب عمران آخر شيوخه، ودخل في أزمة عميقة ظلت تتفاقم إلى اليوم.. ولا يقدح في هذه الحقيقة أن عمران تعرض لبعض الانتقادات، فقد كان الرجل فناناً تجري عليه أحكام المدح والذم، ومن بعده صار الانتقاد -وبالتعبير التراثي- واقعاً على غير محل.. إذ لا إنشاد هنالك.
