رواية “عيون بيروت” لعزّة الطويل (شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، 2026) لبنانيّة، ليس بمكانها فقط، بيروت، ولا بزمانها؛ مقتلُ الحريري وانتفاضةُ 2019، وهمودها وانفجار آب (انفجار مرفأ بيروت في أغسطس 2020)، بل لأنّ شيئاً لبنانياً يتبدّى في الشخصيات والعقدة والأحداث. الحب وانتفاضة 2019 يتقاسمان الرواية، لكن سؤالها الفعلي هو سؤال الحب.
إنه، على امتداد الرواية، مطروح ومحيِّر. رامي، الذي تتردد أخباره على مدى الرواية، هو موضع السؤال. يفتن الراوية أولاً، يفتنها رغم أنها تنتصر على إغرائه وتتركه، وإن بقيت ذكراه تلحّ عليها، خاصة حين تعيده إليها، عشيقته الثانية التي تستغرقها جاذبيته. إذا تساءلنا عن هذه الجاذبية، سواء في علاقته بالأولى أم الثانية، يتبيّن لنا أنها ألاعيب؛ فهو قادر على أن يزاوج بين الشغف، الذي يستعيد فيه صورة مقلوبة لفرتر بطل غوته، وبين الأذى والخطر الذي يصل إلى حد محاولة الخنق، محاولة تبقى في الرواية صورية إذ إنها لا تصل إلى نتيجة. لهذا الازدواج فتنة، ومع ذلك، إذا استطاعت الراوية أن تنتصر عليه، فإن لميا، العشيقة الثانية، لا تقدر على ذلك، حتى بعد أن هالتها روايته “لعنة الحب”، التي موضوعها علاقتهما. تلك فضيحة كاملة: تفاصيل جنسية، وتباهٍ ذكوري، وامتهان للعشيقة. يظل رامي في بال الأولى وفي عاطفة الثانية. الاثنتان تجتمعان على هذه القصة؛ لا تجتمعان بالصدفة، بل يجمعهما أكثر من ذلك، إذ لا تزال الراوية تجد نفسها في لميا. بل إن هذه المماثلة تزعجها لأنها، في الحقيقة، طريق لا واعٍ للعودة إلى رامي، لا واعٍ في وعي الراوية التي تكتشف فيه مقدار ما تركه رامي فيها.
ما هو الحب؟ سؤال يشغل الراوية، وإن لم تطرحه بهذا الحرف. ما هو الحب، بل ما هو الشغف؟ الصيغة الأدق هي الثانية: الشغف. إنه لا ينفصل عن الامتهان، عن إذلال النفس، عن الصبر على الأذى، بل وطلبه أحياناً، عن الافتتان الأعمى، عن الرضوخ وقبول الألاعيب مع وعيها والانتباه لها. الراوية ولميا أيضاً واعيتان بما في ذلك من أذى ومهانة. ومع ذلك، وخاصة في حال الثانية، فإن شيئاً تعجز أمامه، لا قدرة لها عليه، يسوقها إلى القبول والتهافت. قد يعنّ لنا، فوراً ومن دون انتباه، أن نتساءل عن الشيء اللبناني في ذلك كلّه.
فيه أكثر من فرتر الألماني، وحدوثه في بيروت وشوارعها وتظاهراتها وانفجارها ليس عفوياً. هذا الشغف المهين قد يبدو، على نحو ما، مقابلاً لذلك التهافت السياسي الذي يجتمع فيه العنف والفساد والفشل والخيبة. هذا الإدمان على الأذى، وذلك الافتتان المهين، وتلك الذكورية الفاحشة، قد يكون كله موازياً للواقع اللبناني الذي يتواصل رغم افتضاحه وانكشافه ووعيه.
ليس هذا تفسيراً للرواية ولا اقتراح تفسير، لكن الشيء اللبناني يتمثل في هذه الاستعادة التي تظل تراود الراوية، رغم وعيها الكامل لما في علاقتها الماضية من تهافت. كما يتمثل في هذا الرضى الخفي عند لميا بالامتهان، رغم إدراكها العميق لما يعنيه. ربما يستدعي هذا الشيء النظام اللبناني، بما فيه من بنية أهلية وسكوت عليها وارتضاء بها.
تكتشف الراوية أن والدها، البطل الشهيد، كان مرتشياً وذهب ضحية ارتشائه. ليس هذا ما يوازي ذلك الشغف المهين، لكن صورة البطل مقلوبة: أليست هذه صورة بعيدة لرامي، الذي يحمل الحب والشغف فوق نرجسيته المفرطة والمؤذية؟
يمكننا هنا أن نقف قليلاً عند سؤالنا الأول: ما هو الحب؟ الشغف بالأحرى. تكتفي الرواية بالعرض، لا تجيب، لأن الفضيحة التي ترويها تعفيها من الجواب. هناك شيء إنساني في ذلك؛ فالإنسانية قد تصل إلى هذا الحد، الحب بوصفه مرضاً قد ينتهي إليه. المغامرة تملك ما يغري بها، ما يدفع إلى هذا التردي. الحب الحقيقي، لا الشغف، يوجد في الجانب الآخر: الراوية تجده حين تكبح هذا الإغراء، ولميا تجده بعد موت رامي بسبب الانفجار. غيبوبة رامي نهاية لما في الشغف من استحالة وخيبة وخسران.
الحب، إذن، الذي يجمع الراوية بالمصور كنان، كما يجمعها بأمها، كما يجمع كنان بعدنان الطفل الذي لمّه بعد الانفجار، هو ما يبدو تعقّلاً وانسجاماً، وهو ما يعارض ذلك الجنون الذي لا يمثله الشغف المرضي فحسب، بل قد يوازيه، من الجانب الآخر، انفجار المرفأ.
* شاعر وروائي من لبنان
