جزء من سلسلة “مشاهد جبل فوجي الستة والثلاثون” (فيسبوك المتحف)

يتجاوز المعرض المقام في متحف سوميدا هوكوساي بطوكيو اليوم فكرة الاحتفاء بالفنان فردياً، ليقدّم رؤية أعمق لواحدة من أهم ظواهر الثقافة البصرية في اليابان التاريخية؛ وهي “الأوكييو‑إه” ukiyo-e، تلك الطبعات الخشبية التي شكلت وسيلة إعلام وتواصل بصري ساهمت في تشكيل فهم المجتمع لنفسه ولحياته اليومية. انطلق المعرض، الذي يختتم غداً الاثنين، من سؤال جوهري حول كيفية تحول مطبوعاتٍ خشبيةٍ تجارية إلى معرفة بصرية، ويضع أعمال هوكوساي، بما في ذلك طبعة “الموجة العاتية فوق كاناغاوا”، ضمن سلسلة واسعة من الأوكييو‑إه التي كانت تُباع وتتداول في الأسواق سلعاً يومية ويجري استخدامها منصاتٍ بصرية لفهم الحياة الاجتماعية والثقافية.

في عصر إيدو (1603–1868) لم يقتصر الفن المنتَج على الورق عبر تقنية الطباعة الخشبية على النخبة، إذ كان متاحاً للجمهور العام، ببيعه بأسعار مناسبة. اختلفت هذه الطبعات عن اللوحات المرسومة، التي كانت فريدةً ومحدودة الانتشار، فالأوكييو‑إه يجري طبعها بكميات وتباع تجارياً. 

تبرز أعمال التطور التقني في صناعة الأوكييو‑إه، بدءاً من الطباعة أحادية اللون “سومي” (sumizuri-e) إلى الطبعات الملونة متعددة الألوان (“نيشيكي‑إه nishiki-e”) التي أضافت عمقاً بصرياً وزادت من انتشار المطبوعات وجاذبيتها. وقد نشأت هذه الطبعات من تعاونٍ دقيقٍ بين الفنان الرسام، والنحات على الخشب، وطابعِ الخشب والطابعة النهائية، تحت إشراف الناشر الذي نسّق العملية، ما يجعل الأوكييو‑إه نتاج نظامٍ صناعيٍ بصري متكامل، يتجاوز العمل الفردي.

طبعات الأوكييو‑إه كانت إذا وسيلةً لتسجيل اهتمامات الناس من صور الممثلين في مسارح الكابوكي إلى الأسواق والاحتفالات. في المعرض الحالي، تبرز أعمال تخدم هذه الفكرة بوضوح. “صندوق المناظر” (Peepshow Box) يظهر الحياة اليومية من خلال نافذة مصغّرة، تقدم مشاهد متتابعة تُقرأ واحدة تلو الأخرى، كما تُتداول اليوم القصص المصورة أو اللقطات المرئية القصيرة. وتقدم طبعة “أوراشيما تارو يدخل قصر التنين” (Urashima Tarō Enters the Dragon Palace) سرداً شعبياً مألوفاً يظهر كيف انتقلت الأساطير والتراث الثقافي بصرياً ليقرأها الجمهور ويتداولها.

أعمال الفترة الأولى من المعرض، الذي انطلق في الحادي عشر من ديسمبر/كانون الأول الماضي، أكدت هذه الوظيفة، مثل العمل الفني “ثلج على نهر سوميدا” الذي يصوّر مشهداً شتوياً على ضفاف النهر ويبرز تفاعل الناس مع الطبيعة، و”محل الأعشاب البحرية برعاية معبد توايزان”، الذي يوثق نشاطاً تجارياً يرتبط بمعبد ويقدم رؤية اجتماعية واقتصادية للمجتمع المحلي. 

أثر أسلوبه في أجيال من الفنانين داخل اليابان وخارجها

في قلب هذا المشهد البصري يقف كاتسوشيكا هوكوساي (1760–1849)، وهو واحد من أبرز فناني الطباعة الخشبية في اليابان خلال عصر إيدو، الذي شكّل فنه مرحلةً محوريةً في تطور الأوكييو‑إه. تميّز أسلوب هوكوساي بقدرته على دمج الحياة اليومية والطبيعة في شبكة بصرية ديناميكيةٍ، مع استخدام خطوط قوية، وتكوينات جريئة، ومنظور لم يكن مألوفاً في الطباعة التقليدية. 

أثر أسلوب كاتسوشيكا هوكوساي في أجيال من الفنانين داخل اليابان وخارجها، خاصة في أوروبا ضمن حركة Japonisme، إذ استلهم فنانو الانطباعية أسلوبه وتعامله مع اللون، مُنتجاً أكثر من 30 ألف عمل، حسب موقع دار المزاد العالمية Sotheby’s، من طبعاتٍ ورسومات وكتب مصوّرة.