الأحد 22 فبراير 2026 11:11 صباحًا –
بتوقيت القدس

تشهد الساحة الدرامية في شهر رمضان الحالي تحولاً جذرياً في طبيعة القضايا المطروحة، حيث بدأت قنوات عربية ومنصات رقمية عرض سلسلة من المسلسلات التي تسلط الضوء على مآسي السجون السورية خلال عقود حكم عائلة الأسد. وتستعرض هذه الأعمال، التي كانت تعد من المحرمات قبل سقوط النظام في ديسمبر الماضي، تفاصيل دقيقة عن عمليات التعذيب والإخفاء القسري التي شهدتها الأقبية والزنازين.

في بلدة زوق مكايل اللبنانية، جرى تحويل معمل صابون قديم إلى محاكاة بصرية لسجن صيدنايا الشهير، لتصوير مشاهد مسلسل ‘الخروج إلى البئر’. ويركز العمل على أحداث العصيان الشهير الذي وقع في السجن عام 2008، حيث يسعى المخرج الأردني محمد لطفي لنقل الرواية المظلمة لهذا المكان الذي ارتبط في ذاكرة السوريين بالموت والترهيب.

ويوضح كاتب المسلسل سامر رضوان أن العمل يرصد طبيعة العلاقة المعقدة بين التيارات الإسلامية والنظام السابق في تلك المرحلة، وما نتج عنها من تداعيات اجتماعية قاسية. وتظهر المشاهد الأولى من المسلسل استقبالاً وحشياً للمعتقلين الجدد، يتضمن إهانات وضرباً مبرحاً، في محاولة لكسر إرادتهم منذ اللحظات الأولى لدخولهم ما يصفه السجانون بـ ‘المطهر’.

ويعد سجن صيدنايا أحد أكبر السجون السياسية في سوريا، وقد وصفته منظمات حقوقية دولية مراراً بأنه ‘مسلخ بشري’ نظراً لحجم الإعدامات الميدانية والتعذيب الممنهج. وتشير تقديرات رابطة معتقلي ومفقودي السجن إلى أن نحو 30 ألف شخص دخلوه منذ عام 2011، لم ينجُ منهم سوى 6 آلاف شخص تم إطلاق سراحهم عقب انهيار النظام.

ويؤدي الفنان السوري جمال سليمان دور البطولة في ‘الخروج إلى البئر’ من خلال شخصية السجين ‘سلطان’، الذي يجسد معاناة المعتقلين وعائلاتهم التي تتخبط لسنوات في البحث عن أثر لذويها. ويعكس المسلسل الضغوط النفسية والاجتماعية الهائلة التي حاصرت السوريين لمجرد وجود صلة قرابة بينهم وبين معتقل سياسي في فروع الأمن.

من جانبه، كشف الكاتب سامر رضوان أنه أتم كتابة النص قبل سقوط النظام بأربعة أشهر، إلا أن مخاوف الممثلين من ردود فعل السلطات الأمنية حينها حالت دون البدء بالتصوير فوراً. ومع تغير الواقع السياسي في دمشق، تسارع إنتاج هذه الأعمال لتصبح مادة دسمة للنقاش العام حول العدالة الانتقالية وتوثيق الذاكرة الوطنية.

وفي سياق متصل، أثار مسلسل ‘القيصر، لا زمان ولا مكان’ موجة واسعة من الجدل منذ حلقته الأولى، حيث يعتمد على شهادات حية وتجارب واقعية من داخل المعتقلات. ورغم القيمة التوثيقية للعمل، إلا أنه واجه انتقادات من بعض عائلات الضحايا الذين اعتبروا أن جراحهم لا تزال نازفة ولا يجب تحويلها إلى مادة للترفيه الدرامي.

أنا هنا من يحيي ويميت.. هذا المكان لا يسمى سجناً، اسمه مطهر، فإما أن تطهروا أرواحكم أو أذيقكم نار جهنم.

وأصدرت رابطة عائلات قيصر بياناً أكدت فيه رفضها القاطع لتحويل مأساة المعتقلين إلى مادة درامية قبل تحقيق العدالة الناجزة في المحاكم. وشددت الرابطة على أن صور الضحايا وأنين المعتقلين يجب أن تكون أدلة جنائية لمحاسبة المتورطين، وليست مجرد سيناريوهات للعرض التلفزيوني في الموسم الرمضاني.

وعلى الجانب اللبناني، يتناول مسلسل ‘المحافظة 15’ تداعيات الهيمنة السورية السابقة على لبنان من خلال قصة معتقل لبناني أمضى أكثر من عقدين في السجون السورية. ويسلط العمل الضوء على معاناة العائلات اللبنانية التي ظنت أن أبناءها قد فارقوا الحياة، لتكتشف حقائق صادمة بعد سنوات طويلة من الغياب القسري.

وتشير كاتبة السيناريو كارين رزق الله إلى أن المسلسل يستعيد حقبة تاريخية صعبة عاشها اللبنانيون تحت وطأة التدخلات الأمنية والسياسية السورية التي استمرت منذ عام 1976 وحتى 2005. ويهدف العمل إلى فتح ملف المخطوفين اللبنانيين في سوريا، وهو ملف لا يزال يمثل جرحاً مفتوحاً لعشرات العائلات التي تطالب بمعرفة مصير ذويها.

ويربط المسلسل بين قصة المعتقل اللبناني ولجوء عائلات سورية إلى لبنان بعد الأحداث الأخيرة، مما يبرز التداخل الاجتماعي والسياسي المعقد بين البلدين. ويحاول صناع العمل تقديم رؤية فنية للعلاقة المتوترة تاريخياً، وكيف أثرت السياسات القمعية على حياة الأفراد العاديين في كلا الجانبين من الحدود.

وتؤكد المصادر الفنية أن هذه الموجة من الأعمال الدرامية تعكس رغبة ملحة في كشف المستور ومواجهة الماضي بكل بشاعته، رغم التحديات الأخلاقية والفنية التي تفرضها. فبينما يراها البعض خطوة ضرورية للتوثيق، يخشى آخرون من أن تؤدي الدراما إلى ‘تطبيع’ الألم أو اختزاله في مشاهد تمثيلية قد لا تنصف الضحايا الحقيقيين.

ومع استمرار عرض هذه المسلسلات، يظل ملف المعتقلين والمفقودين هو القضية المركزية التي تشغل الشارع السوري واللبناني على حد سواء. وتطالب المنظمات الحقوقية بأن تكون هذه الأعمال حافزاً لفتح التحقيقات الرسمية والكشف عن المقابر الجماعية، بدلاً من الاكتفاء بالعرض الدرامي الذي قد ينتهي بانتهاء الموسم.

إن تحول معمل صابون في لبنان إلى زنزانة افتراضية لصيدنايا يختصر حكاية شعب حاول النظام طمس صوته لعقود خلف الجدران الصماء. واليوم، ومع خروج هذه القصص إلى العلن عبر الشاشات، تبدأ مرحلة جديدة من المواجهة مع الذاكرة، حيث يسعى السوريون لاستعادة روايتهم الخاصة بعيداً عن مقص الرقيب الأمني.