احتفل مهرجان برلين السينمائي الدولي بدورته الـ76 وسط أجواء من التكريم للسينما الإنسانية، حيث أعلنت إدارة المهرجان الجوائز الرسمية للأفلام والسينمائيين.
استطاع الفيلم الألماني-التركي “رسائل صفراء” للمخرج إلكر تشاتاك أن يقتنص جائزة “الدب الذهبي”، وهي أعلى جوائز المهرجان. ويمثل هذا الفوز لحظة تاريخية استثنائية، إذ يعد أول تتويج بـ”الذهب” لمخرج ألماني تركي منذ أكثر من عقدين، وتحديداً منذ فوز فاتح أكين بفيلمه “ضد الجدار” عام 2004. ويتناول فيلم “رسائل صفراء” معاناة زوجين فنانين في تركيا بعد تعرض الزوج للملاحقة الأمنية بسبب منشوراته الرقمية، مما يضطرهم للتخلي عن استقرارهم. وصُور الفيلم في ألمانيا لكن أحداثه تقع في تركيا من بطولة تانسو بيتشار وأوزكو نامال.
وصرح تشاتاك عقب تسلمه الجائزة بأن هذا الفوز يمنح صوتاً لمن لا صوت لهم، محذراً من صعود الأنظمة التي تضيق الخناق على الكلمة الحرة، ومستحضراً دروس التاريخ لعام 1933 في ألمانيا، مؤكدا أن الفن يظل الحصن الأخير في مواجهة التوتاليتارية. وقال المخرج لرويترز بعد حفل توزيع الجوائز “أعرف ما يعنيه (هذا الفوز) لطاقم العمل والممثلين الذين جاءوا من تركيا والذين أصبحوا الآن معروفين على نطاق دولي”. وأضاف إلكر تشاتاك الذي تم ترشيح فيلمه السابق “ذا تيتشرز لاونج” (صالة المعلمين) لجائزة الأوسكار، إن من المهم أن الفيلم لا يتناول تركيا فحسب، بل ألمانيا أيضاً. وتابع “هناك لافتة مكتوب عليها 1933، وما رأيناه في هذا البلد من قبل، يجب ألا ننساه أبداً” في إشارة إلى العام الذي تولى فيه أدولف هتلر السلطة.
ونال فيلم “الخلاص” جائزة الدب الفضي (الجائزة الكبرى للجنة التحكيم)، ويقدم المخرج أمين ألبير من خلاله رؤية ملحمية للصراعات الأخلاقية والسياسية التي تضرب جذورها في أعماق القرى النائية، حيث تتقاطع المصائر الفردية مع تعقيدات السلطة والتقاليد في مواجهات درامية شائكة.
أما فيلم “ملكة في البحر” فقد حصد جائزة الدب الفضي (جائزة لجنة التحكيم)، ويستعرض المخرج لانس هامر تجربة سينمائية تأملية حول العزلة الإنسانية من خلال قصة امرأة تواجه تدهور ذاكرة والدتها وتأثيرات ذلك النفسية على حياتها الزوجية.
وفاز المخرج غرانت غي بجائزة الدب الفضي لأفضل إخراج عن فيلم “الجميع يعشق بيل إيفانز”، الذي يركز على السيرة الذاتية والموسيقية لعازف الجاز بيل إيفانز في قالب وثائقي وتجريبي يستكشف عبقريته الفنية وصراعاته الشخصية بأسلوب بصري متميز.
وحصلت النجمة الألمانية ساندرا هولر على جائزة الدب الفضي لأفضل أداء رئيسي عن فيلم “وردة”، حيث تجسد دوراً مركباً لامرأة تضطر للتنكر في زي رجل لمواجهة أشباح ماضيها وتحديات واقعها، في دراما تاريخية تستكشف مفاهيم الهوية والنوع الاجتماعي.
وذهبت جائزة الدب الفضي لأفضل أداء مساند مناصفة لتوم كورتيناي وآنا كالدر-مارشال عن فيلم “ملكة في البحر”، بينما نال فيلم “نينا روزا” جائزة أفضل سيناريو للكاتبة جنيفيف دولود دي سيل، وهو عمل يطرح قصة منسقة فنية تعود لبلغاريا للتحقق من عبقرية طفل معجزة في الرسم.
وحصل فيلم “يو (الحب طائر متمرد)” من إخراج آنا فيتش وبانكر وايت على جائزة المساهمة الفنية المتميزة، إذ يقدم تجربة بصرية استثنائية تركز على الجماليات السينمائية ليروي حكاية عن الشغف والتمرد باستخدام لغة سينمائية تمزج بين الموسيقى والواقع المعاصر.
وفي فئة الأفلام الوثائقية، فاز فيلم “لو تحول الحمام إلى ذهب” بجائزة أفضل فيلم وثائقي، وهو عمل للمخرجة بيبا لوبوجاكي يعكس نظرة تأملية حول تحولات الواقع والقدرة على استخراج الجمال من وسط الظروف الصعبة.
عبد الله الخطيب (يسار) وتقي الدين أسعد يحملان علم فلسطين فوق مسرح مهرجان برلين (غيتي)
واختتمت الجوائز الكبرى بفوز الفيلم الفلسطيني “حكايات من الحصار” للمخرج عبد الله الخطيب بجائزة أفضل عمل أول، وهو فيلم يوثق فصولا مؤلمة وبطولية من صمود الإنسان الفلسطيني تحت الحصار، مقدما شهادة حية وجريئة على البقاء. ومع صعود عبد الله الخطيب لمنصة التتويج، تحولت القاعة إلى ساحة للمواجهة. ألقى كلمة نارية انتقد فيها الصمت الدولي وموقف الحكومة الألمانية، منتقدا “الخطوط الحمراء” التي تُفرض على الأصوات المدافعة عن الحق، ومنهيا خطابه بصرخة “الفلسطينيين سيكونون أحرارا”، مما فجر موجة تصفيق حاد وقوفا في القاعة.
واستخدم عدد من الفائزين بالجوائز خطبهم للتعبير عن تضامنهم مع الفلسطينيين والشعوب المضطهدة الأخرى.
وعبّر المخرج التركي أمين ألبير، الذي فاز فيلمه (سالفيشن) أو “الخلاص” بجائزة الدب الفضي التي تمنحها لجنة التحكيم، عن تضامنه مع المقهورين في تركيا وسوريا وإيران وغزة. وقال “أقل ما يمكننا فعله هنا هو كسر الصمت وتذكيرهم بأنهم ليسوا وحدهم حقا”.
