بعد مظاهرة الحب الأسطورية التى حظيت بها عبلة كامل، عند عودتها على الشاشة فى رمضان، صار السؤال الآن كم تقاضت مقابل الإعلان؟ ولم يكتفوا بهذا القدر، انتزعوا كلمات عن سياقها، من أستاذ ورش التمثيل حسن الجريتلى الذى كان من أهم المحطات التى اتكأت إليها فى بداية المشوار، الجريتلى أراد التأكيد أن عبلة الفنانة لا تقدم عبلة الإنسانة، ولكن الشخصية الدرامية، المكتوبة على الورق، صارت عند قراءتها بقدر من التعسف، تعنى أن عبلة ليست هى تلك الفنانة العفوية، ولكنها تتصنعها، أستاذ التمثيل أراد التأكيد أن عبلة التى نراها على الشاشة ليست هى أبداً عبلة الإنسان.
لا تتعمد سرقة الكاميرا، العكس هو الصحيح، الكاميرا تسرقها، تابعها فى أى لقطة ستلحظ أن عينيها وأصابع يديها ووجنتيها بل وكرات الدم فى شرايينها تسبقها فى تقمص الدور.
ارتدت الحجاب، لم نشعر أنها ترتديه، الشخصية الدرامية تفرضه عليها، لا أحد توقف للسؤال عن حقيقة حجابها، الناس تعاملت مع عبلة كحالة متفردة، لأنها فى الحياة الشخصية والفنية تؤخذ كما هى، لا تشبه أحداً ولا أحد يشبهها.
أتذكر فى مهرجان «أسوان» أثناء تكريم منة شلبى قبل ٦ سنوات سألوا منة عن مثلها الأعلى قالت: «عبلة كامل وأضافت أتمنى أن أصل إلى نصف حالة الطبيعية التى تؤدى بها أدوارها».
فطرية الأداء تساوى عبلة كامل، فمنحوا تلك الصفة عزيزة المنال لكل من يصدقوه، هى «الترمومتر» بين الفنانات، مثلما أحمد زكى هو «الترمومتر» بين الفنانين.
كان بيننا مساحة فى الماضى تسمح بحوار بعيداً عن النشر، أتذكر قبل ٣٠ عاماً أننى أقمت ندوة لمسلسل «لن أعيش فى جلباب أبى» بنادى نقابة الصحفيين بالجيزة، وكانت عبلة قد قررت قطع كل أدوات التواصل مع الإعلام، طلبت منها الحضور، مع نور الشريف وكاتب السيناريو مصطفى محرم والمخرج أحمد توفيق، وباقى فريق العمل، قالت لى: «أخجل من الرد على الأسئلة، أخجل حتى من الصعود إلى المنصة»، واتفقنا أنها فقط ستجلس بجوارى وسوف نتولى أنا ونور الشريف الإجابة بلسانها، عندما يصل لى سؤال عن طبيعة أدائها للدور أوجه السؤال لنور لينطق بلسانها، وعندما يسألها أحد الصحفيين عن وضع المرأة فى البطولة السينمائية، أجاوب أنا بالنيابة عنها، أتابع على وجهها رضاءها عن الإجابات، وهذا ما كان يفعله أيضاً نور، حاولت معها بعدها بأسابيع قليلة أن تحضر إلى «مهرجان السينما العربية» فى باريس، بعد حصولها على جائزة أفضل ممثلة عن فيلم «هيستريا»، اعتذرت، كانت قد قررت الابتعاد عن التواجد خارج الاستوديو ولو من أجل جائزة.
عبلة تملك أدواتها لأداء كل الشخصيات، ولكن بأسلوبها، مثلاً مع داوود عبد السيد «سارق الفرح» شخصية «بائعة الهوى»، فصدقناها، وهى أيضاً «خالتى فرنسا» إخراج على رجب، المرأة التى تأخذ حقها بالصوت العالى فصدقناها.
تملك مواصفات نجمة الشباك، لديها فيض من الثراء الفنى، وهو ما دفع مخرجين بحجم يوسف شاهين ورأفت الميهى ويسرى نصر الله وخيرى بشارة وغيرهم تسكينها فى أدوار تنبض بالحياة حتى الآن، مهما كانت المساحة المتاحة أمامها، ستكتشف أنها سكنت الوجدان.
شيء ما صار يتكرر عادة بعد إعلان الحب، نتابع من يقول، كم تقاضت من أجر مقابل هذا الحب؟.
عبلة حصلت على ما تستحقه لتواجه به غدر الأيام، ومنحتنا طوال رحلتها ما لا يقدر بثمن، إبداع صادق نواجه به غدر الإبداع!!.
