فى كلِّ عامٍ من شهر رمضان، يُنصَبُ سِيرك الدراما فى صورةٍ أشبه بالمَوالد، فيها ما هو طبيعى وصادقٌ وعفوى، ومعها أيضًا ما هو سطحى خادعٌ ساذجٌ..!
فيما يخُصُّ السطحى، تُطِلُّ علينا فلانة الفلانية، وتَتصدر بنرات المسلسلات عِلّانة العلّانيّة، ويمرّون علينا كريحٍ دون أثرٍ إلا على صفحاتِ السوشيال ميديا المبيعة والمؤجّرة «مفروش» طوال شهر رمضان، والأزماتُ المُفتعلةُ لصناعةِ ضجيجٍ مُصطَنَعٍ من أجل الشُّهرةِ والرَّوَاج..
مع الآفةِ السنويةِ بالدَّفعِ لمحركات البحث من أجل تَصَدُّر النتائج أو الظهور فى الصفحات الأولى أو على المخططات البيانية لجوجل تريندز..!
إعادةُ إنتاجٍ سنوية لظاهرةِ الرداءةِ الدرامية؛ تكاليف وتشغيل وإنتاج بملايين الجنيهات على مسلسلات اللاشىء، التى لا تقدّمُ رسالةً ولا تصنعُ تسليةً تُعِينُ الناس على قضاءِ الوقت أو الترفيه أو الإضحاكِ فى زمنٍ صعبٍ..!
فى سيرك الدراما إلحاحٌ سنوىّ على أعمال بعينها، لأسماء بعينها.. بطولات نسائية مفروضةٌ علينا، ووجوهٌ أخرى من الرجالِ تُقحَم فى الدراما بالمجاملات والمصالح، حتى أصبحت جزءًا من تقاليد الشاشاتِ فى الشهر الكريم، ينبغى لنا ألا نرفضها، بل علينا قَبولُها والتصفيقُ لها إنْ أمكن..!
شركاتُ الإنتاجِ الكبيرةِ التى صنعَت هذه الظاهرةَ تسىءُ للدراما، لأمرَين: أولهما أنها تقدمُ اللا فن. والثانى أنها ضلَّلَت الجمهورَ؛ لأن هذه الأعمالَ تُنتَجُ لأسباب أخرى لا تخص الفنَّ، هى مجرد صناعة مُحلّل فقط لأموالِ الأقاربِ والأزواجِ، لترى المقصودَةُ اسمَها مقترنًا بكلمةِ النجمةِ، وتصطف مع آخرين من النجومِ والنجمات فى دعايةِ المسلسلات!
مفيش فن بالعافية، ولا دراما بالعافية، فالجمهورُ هو المَلكُ والناقدُ الأول والأخير، وإذا كان الهدفُ ملءَ الخرائط الرمضانية التليفزيونية، فهى صياغةٌ للضلالِ الفنى مع منحِ الفرصةِ تلو الأخرى لأسماء تلزمها دراساتٌ عن انعدام الموهبةِ والرذالة الفنية..!
يسألُ الناسُ كلَّ عام: ما العوائدُ من تلك الأعمال التى تُطوى فى غياهب النسيان، ويصبح تَذكُّرها أو تَذَكُّرُ مَن كان فيها ضَرْبًا من المستحيل؟، فأين المعاييرُ الاقتصاديةُ من بيعةٍ خاسرةٍ يمكن التنبؤ بمصيرها بسهولة قبل أن تصلَ للشاشة؟
إحداهُن صاغَت اسمَها رغمًا عنَّا كبطلةٍ بدعمٍ عائلى يظهر على التترات، لديها جيشٌ إلكترونى يتحدثُ بجميع اللغات.. ومؤخرًا، كان أبرزُ المتفاعلين معها حساباتٍ تنطقُ بالهندية، والداعم الرئيسى فى التعليقات كان صفحةً اسمُها «بالقرآن نحيا»..!
البطولاتُ المفروضةُ انعكاسٌ وتكريسٌ لأزمةِ مُعادَاة الجودةِ، وتغييب المعايير فى المجتمع، والفهلوة حتى فى الفنِّ، تشجيعٌ سنوىّ للرداءة، ليُصبحَ كلُّ شىءٍ فُقاعةً لا تعيشُ ولا تدومُ، إنها فقرةٌ سخيفةٌ فى مولد الدراما!
