تحدّث رأس كنيسة الروم الكاثوليك في مقابلة مع وسائل الإعلام الفاتيكانية، متأملاً في السنوات التي مضت منذ الغزو الروسي في عام ٢٠٢٢، واصفًا إياها بأنها مأساة تتفاقم باستمرار وتشهد ارتفاعاً في أعداد القتلى من المدنيين. ولكن ليس هناك استسلام، فالسكان يقاومون، وهم ممتنون للتضامن الدولي.

وصف رئيس أساقفة كييف-هاليتش سفياتوسلاف شيفتشوك، الذكرى الرابعة لبدء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا بأنها “مأساة” و”عار على الإنسانية”، مؤكداً في مقابلة مع وسائل الإعلام الفاتيكانية أن الحرب التي اندلعت عام ٢٠٢٢ “ما كان ينبغي لها أن تبدأ أصلاً”، وأنها اليوم تزداد ضراوة مع ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين، فيما يواصل الشعب الأوكراني صموده مدعوماً بتضامن دولي متجدد.

“لم يكن أحد يتخيّل حرباً تدوم أربع سنوات”. قال شيفتشوك إن الحديث عن أربع سنوات يشير إلى مرحلة الغزو الواسع النطاق، مذكّراً بأن الحرب بدأت فعلياً عام ٢٠١٤ مع احتلال شبه جزيرة القرم وأجزاء من إقليم دونباس الشرقي. وأضاف: “نحن أمام مأساة حقيقية تتفاقم في الأشهر الأخيرة. عدد القتلى والجرحى من المدنيين يتزايد باستمرار. وحتى في بدايات عام ٢٠٢٢ لم يكن الوضع مأساويًّا كما هو اليوم، ولا سيما خلال هذا الشتاء في العاصمة”.

وتحدّث رئيس الأساقفة عن واقع الحياة في كييف، واصفاً ما يجري بأنه شكل جديد من الإبادة، أطلق عليه البعض تسمية “كولودومور” (من كلمة تعني البرد)، في إشارة إلى “الهولودومور” – المجاعة المصطنعة في ثلاثينيات القرن الماضي. وقال إن الشتاء الحالي هو الأشد قسوة منذ عقد، إذ هبطت الحرارة إلى عشرين درجة مئوية تحت الصفر، بينما تستهدف الهجمات الروسية البنى التحتية الحيوية، ولا سيما محطات الكهرباء والتدفئة المركزية التي تعتمد عليها أحياء العاصمة. وأوضح أن تدمير هذه المحطات، التي تعود إلى الحقبة السوفياتية، أدى إلى انقطاع الكهرباء والمياه الساخنة، وتجمّد الأنابيب وتضرر أنظمة الصرف الصحي. “تخيّلوا مبنى يقطنه ثلاثة آلاف شخص، تتجمّد الشقق من الداخل، ولا يمكن استخدام الحمّامات، والناس محاصرون في بيوتهم ولا يعرفون إلى أين يذهبون”. في مواجهة هذا الواقع، أُنشئت “مراكز صمود” أمام الأبنية السكنية، وهي خيم مدفّأة بمولّدات كهربائية تتيح للناس شحن أجهزتهم، وتناول مشروب ساخن، وقضاء الليل عند الحاجة. كما جرى تكييف مدارس ورياض أطفال لاستقبال المتضررين.

وكشف شيفتشوك أن كاتدرائية القيامة في كييف فتحت مركزاً في الملجأ شبه السفلي، حيث يعمل المولّد نحو عشرين ساعة يومياً بسبب انقطاع التيار العام. “كثيرون ينامون هناك ويعيشون فعلياً داخل الكاتدرائية، لأنهم لا يستطيعون العودة إلى منازلهم”. وأشار إلى أن رئيس بلدية كييف دعا من يستطيع إلى مغادرة المدينة مؤقتاً، وقد غادر نحو نصف مليون شخص، لكن كثيرين بقوا بسبب العمل أو لعدم توفر بدائل، فيما تواصل المسيّرات رصد المحطات التي لا تزال تعمل تمهيداً لاستهدافها.

ورغم الإرهاق المتراكم، شدد رئيس الكنيسة على أن ما يلاحظه في كييف ليس يأساً أو استسلاماً، بل تصاعداً في إرادة المقاومة. وروى قصة طفل في الخامسة من عمره يشارك بانتظام في الليتورجيا، قال له: “إذا انتصرتُ على البرد، ستنتصر أوكرانيا”. وأضاف: “في مراكز الصمود يبتسم الناس ويغنون، وأحياناً يضعون الموسيقى ويرقصون في الساحات المتجمدة. إنه أمر يدهشنا نحن أيضاً”. لكنه أقرّ بأن الألم يتفاقم مع ازدياد أعداد القتلى والجرحى. ووفق بعثة الأمم المتحدة لمراقبة حقوق الإنسان في أوكرانيا، كان عام ٢٠٢٥ الأكثر دموية للمدنيين منذ بدء الغزو، مع ارتفاع أعداد الضحايا بنسبة ٣١% مقارنة بعام ٢٠٢٤ و٧٠% مقارنة بعام ٢٠٢٣. وعلّق قائلاً: “كلما كثر الحديث عن اتفاقات سلام، ازداد نزيف الدم على الأرض”. كما حذّر من “التعوّد” على القصف، معتبراً أن فقدان الحساسية تجاه الألم هو خطر روحي وأخلاقي، وأن على الكنيسة أن تحافظ على الوعي بأن في كل معاناة يتجلى ألم المسيح نفسه.

وأكد شيفتشوك أنه لا توجد عائلة في أوكرانيا لم تمسّها الخسارة أو الجراح. ومن هذا المنطلق أطلق سينودس الأساقفة برنامجاً لمرافقة الكهنة والمكرّسين نفسياً وروحياً. وأظهرت استبيانات أن الغالبية لا ترغب في أخذ إجازة، وهو ما فسّره المعالجون النفسيون بوصفه علامة على صدمة عميقة تجعلهم غير قادرين على الابتعاد عن رعاياهم خوفاً من وقوع كارثة أثناء غيابهم. وأوضح أن البرنامج يهدف إلى “شفاء الجراح” لكي يصبح من تجاوز ألمه “طبيباً جريحاً” قادراً على مرافقة الآخرين نحو الشفاء النفسي والروحي. وأضاف: “نختبر خبرة غير مسبوقة قد تتحول إلى كنز روحي لكنائس أخرى لم تعش مأساة مماثلة”.

وتوقف رئيس الكنيسة عند موجات التضامن التي تلقتها أوكرانيا خلال السنوات الأربع، مشيراً إلى دعم البابا الراحل فرنسيس وخلفه البابا لاون، إضافة إلى مبادرات كنائس أوروبية عدة. وسرد حادثة مع رئيس أساقفة كراكوف الكاردينال غريغوري ريس، الذي أطلق بعد تلقيه رسالة عن قصف كييف حملة تبرعات جمعت خلال أيام مليون زلوتي، وأُرسلت مولدات كهربائية إلى العاصمة الأوكرانية سريعاً. كما أشاد بمبادرات مجلس الأساقفة البولنديين ومجلس الأساقفة الإيطالي عبر “كاريتاس”، مؤكداً أن التضامن لا يقتصر على الدعم المادي، بل يشمل أيضاً الصلاة وحفظ الذاكرة الحية لمعاناة كييف في رعايا أوروبا.

وفي ختام حديثه، اعتبر شيفتشوك أن مرور أربع سنوات على الحرب هو “وصمة عار على الإنسانية”، لأن المجتمع الدولي لم ينجح في وقف “يد المعتدي”. وأشار إلى أن بعض المؤرخين يرون أن الحرب العالمية الثانية في تلك الأراضي كانت أقصر من العدوان الحالي. ودعا في هذه الذكرى إلى التزام أخلاقي وروحي ببناء السلام، قائلاً إن السياسيين ورجال الكنيسة والدبلوماسيين والعسكريين والمتطوعين مدعوون جميعاً إلى أداء دورهم لوقف العدوان، تمهيداً لمرحلة لاحقة من معالجة الصدمات وإعادة الإعمار. وختم بنداء مقتضب: “صلّوا من أجلنا”.