رغم منعه من العمل في إيران، أخرج جعفر بناهي أفلاماً عديدة تنتقد نظام بلاده. ويُعتبر فيلمه “حادث بسيط” من الأفلام المرشّحة بقوة لجائزة أوسكار أفضل فيلم دولي لعام 2026.

 

يروي فيلم “حادث بسيط” قصّة وحيد، وهو ميكانيكي ليس له أي ميول سياسية، بل عامل عادي، خرج في احتجاجات بالشوارع للمطالبة بأجوره المتأخرة، فسُجن نتيجة لذلك. في أحد الأيام، يظهر رجل في ورشته، تُذكّره ساقه الاصطناعية الصريرية بمعذّبه في السجن. فيختطف وحيد الرجلَ، عازماً على دفنه حيّاً انتقاماً. إلا أنه يبدأ بالتشكيك في ما إذا كان هذا الرجل هو معذبه حقاً. وللتأكّد، يبحث عن ضحايا آخرين تعرّضوا للتعذيب على يد هذا الرجل أيضاً.

 

بسبب الحكم الصادر بمنعه من صناعه الأفلام، يمكن اعتبار أفلام بناهي الأخيرة بمثابة حيل لإخراج فيلم من الأساس. فقد صوّر سراً أفلام “هذا ليس فيلماً” (2011)، و”تاكسي طهران” (2015)، و”لا دببة” (2022)؛ أفلام يظهر فيها بنفسه، وتُصوّر، على مستوى أعمق، العملية المعقّدة التي يضطر فيها المخرج للعمل سرّاً.

 

بالنسبة لبناهي، لم تكن تلك الأفلام بياناً سياسياً بقدر ما كانت ضرورة مُلحّة. يوضّح قائلاً في حديثه إلى “المدن”: “لم يكن لدي خيار آخر. صناعة الأفلام هي الشيء الوحيد الذي أجيده. بعد سجني، تمكّنت من استئنافها، رغم أنني ما زلت لا أملك تصريحاً رسمياً بذلك. لهذا السبب ما زلت أعمل بالطريقة نفسها. الشيء الوحيد الذي تغيّر هو أنا. أخيراً، لديّ المساحة الكافية لمراقبة محيطي والتفاعل مع ما يحدث في المجتمع”.

 

مقارنةً بأعماله السابقة، يُعدّ سيناريو فيلم “حادث بسيط” تقليدياً بشكل ملحوظ. تدور أحداث الفيلم التشويقي حول وحيد، السجين السابق الذي يسعى للانتقام ويختطف، باندفاع، من يُزعم أنه جلّاده. الفيلم مستوحى من تجربة بناهي في السجن ومحادثاته مع ضحايا آخرين للنظام الإيراني. ولأن وحيد يشكّ في هوية الجلّاد – فقد تحمّل التعذيب معصوب العينين – يبحث عن سجناء سابقين آخرين للمساعدة في حسم مصير الرجل.

 

ووفقاً لبناهي، فجميع الأشخاص الذين تجمّعوا في سيّارة وحيد يمثلون فئات سكّانية مختلفة في إيران المعاصرة. “إنهم محصورون مرة أخرى في مساحة ضيّقة. هذا يختزل القصّة إلى جوهرها، رغم أنها تعكس واقع البلاد بأكملها. حتى عندما تتحدّث الشخصيات عن نفسها، فإنها تتحدّث باسم إيران، إذ ترمز إلى جميع مشاكل مجتمعنا”.

 

من خلالهم، يعكس بناهي غضب وحزن الإيرانيين. كيف يُصنّفون المعاناة التي تُلحقها بهم الدولة؟ وكيف يتصرّفون حيالها؟ بهذا المعنى، يُعدّ الفيلم نتاجاً لعصره، متأثراً جزئياً باحتجاجات “امرأة، حياة، حرية” التي كان لها أثر عميق في المجتمع الإيراني بعد وفاة مهسا أميني العام 2022. مع ذلك يؤكّد بناهي أن فيلمه “ليس عن الحاضر”، معتبراً إياه “فيلماً معاصراً يستشرف المستقبل”. يشرح هذا بقوله: “ما زلنا نعيش تحت نير الدولة، وما زلنا سجناء. لكن ماذا سيحدث لو سقطَ النظام؟ ما الذي سيحلّ بالشعب؟ هل سنصبح قساة ونسعى للانتقام، أم سنوقف دوامة العنف ونُحدث تغييراً جذرياً؟ السؤال الأساسي هو: هل، إذا تخلّصنا من النظام، سنصير أشبه بجلّادينا؟ الفيلم يتناول همومنا وآلامنا المشتركة”.

 

بدأ كل شيء في الليلة التي سبقت حفلة توزيع الجوائز. تمكّن صديق من الاتصال بي من سجن طهران. أخبرني أن زملائي السابقين من المعتقلين استمعوا إلى كلمتي بعد العرض الأول للفيلم في “كانّ”. هذا الأمر منحهم أملاً. وتوقّعوا فوزي بالسعفة الذهبية! لم أستطع النوم تلك الليلة. خلال حفلة توزيع الجوائز، ظللت أفكر في تلك المكالمة الهاتفية وكيف ستتبدّد كل آمالهم إذا لم يفز الفيلم بجائزة. عندما سمعت اسمي يُنادى، زال عن كاهلي عبء ثقيل. أتذكّر فقط أنني قلت: “آه، أخيراً!”، ثم استندت إلى الخلف، ولم أدرك كم من الوقت جلست حتى لاحظت فجأة أن الجميع واقفون يصفقون. حينها سألت نفسي: “لماذا ما زلت جالساً؟!” ثم نهضتُ.

بعد تلك السنوات التي قضيتها في سجن طهران، وحظر العمل والسفر، والإضراب عن الطعام في إيران، تعيش الآن أياماً مختلفة. تسافر كثيراً وتحضر مهرجانات سينمائية متنوعة. ما شعورك حيال ذلك؟

 

بصراحة، كان الأمر أسهل بالنسبة لي عندما لم أكن أستطيع السفر على الإطلاق. لأنه بعد أن أنتهي من فيلم، كنت أبدأ العمل على الفيلم التالي فوراً. لكن هذا السفر الآن، وخاصة حملة الأوسكار لهذا الفيلم، يستنزف الكثير من الوقت – فأنت دائماً تقريباً على متن طائرة. سافرتُ من باريس إلى نيويورك، على سبيل المثال، ومكثت هناك حوالي ثلاث ساعات؛ ثم كنت على متن طائرة أخرى إلى لوس أنجلوس، ومكثت في المدينة أربع أو خمس ساعات لحضور عرض؛ ثم عدت إلى المطار متوجهاً إلى نيويورك. لذا هذه الأيام، أنا دائماً في عروض أو مقابلات. قد تظنّون: “يا له من أمر رائع، إنه يسافر حول العالم!”، لكن هذا عملٌ لا بدّ منه، حتى في أوقات التعب. فكثيرٌ من الناس يعملون بلا توقفٍ الآن على الفيلم والترويج له، وعليّ أن أكون حاضراً أيضاً.

 

رغم موضوعه الجادّ والمشوّق، يتميّز فيلم “حادث بسيط” بروح مرحة، بل ويستخدم أحياناً الكوميديا ​​الموقفية. بعض أهمّ أعمال السينما الإيرانية قاتم وكئيب لدرجة أنني شخصياً لا أستطيع مشاهدته مرّة ثانية. كيف يمكن للسينمائي إنجاز فيلم عن التعذيب والاضطهاد من دون أن يصبح مريراً؟

 

هناك فكاهة كامنة في كلّ موقف. كما تعلم، يحدث شيء ما في إيران، وبعد خمس دقائق يبدأ الناس بالسخرية منه. رغم الحزن، ما زالوا يستهزئون به. هذا التناقض بين الحالتين يجعل العمل واقعياً ومقنعاً؛ فالحياة ليست استثناءً. أردتُ الحفاظ على روح الدعابة وخلق بعض المشاهد المُضحكة حتى آخر 20 دقيقة من الفيلم. تلعب الاختلافات الثقافية دوراً أيضاً، ولهذا السبب يضحك بعض المشاهدين أكثر من غيرهم. على أي حال، أردتُ أن تبقى القصة مقبولة على هذا النحو، باستثناء الدقائق الـ20 الأخيرة، حيث يسود صمت مطبق، ويصبح كل شيء كئيباً لدرجة أن المتفرّجين يكادوا يختنقون. حتى إذا غادروا السينما، يبقى الفيلم عالقاً في أذهانهم.

عن القصاص والعدالة والعفو.. “حادث بسيط”

 

تجربة كل شخص مع السينما مختلفة. أنا أتحدر من حيٍّ شعبي. لم تكن هناك أنشطة ترفيهية كثيرة. كان الذهاب إلى السينما وسيلتنا الوحيدة للتسلية. كنا ندّخر مصروفنا ونتغيّب عن المدرسة لنذهب إلى السينما. كانت عائلتي، خصوصاً والدي، يعارضون ذهاب الأطفال إلى السينما. حتى التلفزيون لم يكن مسموحاً به أو متوافراً في كلّ مكان. لمشاهدة مسلسل، كان عليك الذهاب إلى المقهى، وشراء كوب شاي بريالين، ومشاهدة التلفزيون قليلاً. عندما اشترى والدي أخيراً جهاز تلفزيون صغيراً، كان جميع سكان الحيّ يأتون إلى منزلنا لمشاهدة مسلسل.

 

كانت في حيّنا مكتبة أتردّد عليها. كنتُ في العاشرة من عمري تقريباً، طفلاً ممتلئ الجسم. كان لديهم أيضاً قسمٌ لصنع أفلام سوبر 8. في أحد الأيام، عرضوا عليّ التمثيل في فيلم قصير لأنهم كانوا بحاجة إلى طفل ممتلئ الجسم. عندما وقفت أمام الكاميرا، تمنّيتُ بشدّة أن أعرف ما يراه الرجل الواقف خلفها. لسوء الحظ، كان صارماً جداً ولم يسمح لي بالنظر من خلالها، ناهيك عن لمسها. منذ ذلك الحين، أصبح حلمي رؤية العالم عبر عدسة الكاميرا. عملتُ خلال العطلات الصيفية، واشتريت كاميرا في النهاية بالمال الذي كسبته. هكذا بدأتْ الحكاية. لو نشأتُ في عائلة متوسطة الحال، لربما اخترتُ مهنة مختلفة. حقيقة أن ذلك الرجل لم يسمح لي بالنظر من خلال الكاميرا آنذاك ألهمتني النظر إلى الحياة عبر عدسة السينما.

 

 

يعتمد المخرج الواقعي الاجتماعي على محيطه. تدور أحداث أفلامي الأولى في المجتمع، في الشارع، في السوق. ثم فجأة، أُبلغتُ بمنعي من العمل عشرين عاماً. لم يعد مسموحاً لي الاختلاط بالناس والتصوير. هكذا تبدأ رحلة البحث عن الذات وعن مهنتك، السينما. فبينما كانت مواضيعي سابقاً هي الناس والمجتمع، أصبحتُ أنا الآن موضوع أعمالي. صنعتُ فيلماً في المنزل مع صديقي مجتبى ميرطهماسب. لم يكن مسموحاً لي بصنع الأفلام، فقّررنا صنع فيلم وتسميته “هذا ليس فيلماً” (2011).  فكّرتُ لاحقاً، إذا لم أستطع العمل كمخرج، فيمكنني على الأقل قيادة سيارة أجرة. ركّبتُ كاميرا في سيارتي الأجرة ورويتُ قصص ركّابي، فكانت النتيجة “تاكسي طهران” (2015). كما ترى، في النهاية، تصبح أنت السينما نفسها. أو، حين لم يُسمح لي بمغادرة البلاد، ذهبتُ إلى قرية على الحدود مع تركيا، وأرسلتُ فريقي إلى الجانب الآخر، وأخرجتُ من هناك: “لا دببة” (2022).

 

ثم في أحد الأيام، أُعلن رفع الحظر. الآن سُمح لي بالعمل والسفر مجدداً، ولم أعد مضطراً للظهور أمام الكاميرا. لكن لم يُسمح لي بتصوير شخصياتي، لأن حركة “امرأة، حياة، حرية” أثّرت على كلّ شيء في إيران، خصوصاً السينما. كنتُ أعلم أن فيلماً مثل “حادث بسيط” ما كان ليُجاز أبداً. في النهاية، لم تتغيّر أساليب العمل كثيراً. صنعتُ هذا الفيلم تماماً مثل الأفلام الأخرى، في ظلّ حظر العمل. ومع ذلك، كان لهذا أثر نفسي عليّ، إذ سمح لي بالعودة إلى مكاني خلف الكاميرا.

 

رغم المحاولات العديدة التي بذلها النظام الإيراني لإقصاء فيلم “حادث بسيط” من المنافسة على جائزة الأوسكار، إلا أن فرنسا رشّحته في نهاية المطاف لتمثيلها. وهذه ليست المرة الأولى التي يُرشح فيها فيلم إيراني لتمثيل دولة أخرى في جائزة أوسكار لأفضل فيلم أجنبي. ما رأيك في هذه العملية؟

 

كنتُ آمل أن يُختار فيلمي لتمثيل بلادي. لسوء الحظ، لم يحدث ذلك. حتى في العام 2000، بعد فوز فيلمي “الدائرة” بجائزة الأسد الذهبي في مهرجان البندقية السينمائي، لم يُرشّح. في العام 2006، راسلَ عديد العاملين في صناعة السينما السلطات الإيرانية، مقترحين أن فيلمي “تسلّل” لديه فرصة جيدة للفوز بجائزة الأوسكار، وأن عليهم ترشيحه. لكنهم لم يفعلوا، مما حرم السينما الإيرانية من فرصة ثمينة.

 

يعتقد كثيرون حالياً أن عملية اختيار الفائز بجائزة أوسكار لأفضل فيلم روائي طويل دولي بحاجة إلى إصلاح. وهذه ليست مشكلة في إيران وحدها؛ يواجه صنّاع الأفلام في روسيا والصين والهند صعوبات مماثلة. وقد شُكّلت لجان في العديد من الدول للتواصل مع الأكاديمية بشأن عدم كفاءة عملية الاختيار الحالية، وضرورة عدم سيطرة السلطات الحكومية على اختيار الأفلام، بل ترك هذه المهمة في أيدي صنّاع الأفلام أنفسهم. من شأن ذلك إتاحة فرصة التنافس للعديد من الأفلام، مبدئياً على الأقل، مع أعمال من بلدانها، ثم مع أفلام من مختلف أنحاء العالم، من دون أن تفوتها الفرص بسبب الرقابة الحكومية. وكلّ فيلم يحقّق نجاحاً دولياً يُسهم تلقائياً في دعم أفلام أخرى من البلد نفسه، لأنه يثير الاهتمام بأعمال أخرى. لسوء الحظ، منعتْ السلطات الإيرانية إنتاج العديد من الأفلام الجيّدة بهذه الطريقة. رغم هذه القيود، يسعدني فوز السيّد (أصغر) فرهادي بجائزة أوسكار لأفضل فيلم أجنبي. كلّ هذا يُعد انتصاراً للسينما الإيرانية.

ماذا ستفعل إذا قابلت جلّادك؟ ستنتقم؟

 

أتمنّى بصدق أن أتمكّن من صناعة أفلامي في إيران، وأعتزم المحاولة. بعد حملة الأوسكار لفيلم “حادث بسيط”، سأعود إلى إيران فوراً. اشتغلتُ على سيناريو عن الحرب لمدة خمس سنوات تقريباً، وكنت أرغب في تصويره، لكنه مُنع. الآن، العالم بأسره يعمّه شبح الحرب، وهذا الفيلم سيكون ذا بُعد إنساني يتناول الحرب. إنه أمر يُقلقني بشدة، وأرغب حقاً في إخراج هذا الفيلم. آمل أن يكون ذلك في إيران، أو في مكان آخر.

___________________________________________________

 

(*) وُلد جعفر بناهي في 11 تموز/يوليو 1960 في مدينة ميانه، شمال غربي إيران. بعد دراسته الإخراج في جامعة طهران للسينما والتلفزيون، عمل في البداية كمساعد مخرج. 

 

في 1995، فاز فيلمه الأول “البالون الأبيض” بجائزة الكاميرا الذهبية في “كانّ”. وفي 1997، حصل على جائزة الفهد الذهبي في مهرجان لوكارنو السينمائي عن فيلمه “المرآة”. مُنع عرض فيلمه “الدائرة” (2000)، الذي فاز بجائزة الأسد الذهبي في مهرجان البندقية السينمائي، في إيران، كما مُنعت معظم أعماله اللاحقة، بما في ذلك “تسلّل” (2006، الدبّ الفضي في مهرجان برلين السينمائي الدولي)، و”هذا ليس فيلماً” (2011)، و”ستار مغلق” (2013، الدبّ الفضي في مهرجان برلين السينمائي الدولي)، و”تاكسي طهران” (2015، الدبّ الذهبي في مهرجان برلين السينمائي الدولي).

 

في العام 2010، حُكم على بناهي بالسجن ست سنوات ومُنع من صناعة الأفلام لمدة 20 عاماً بتهمة “الدعاية ضد النظام”. ورغم ذلك، تمكّن من التصوير سراً في إيران وتهريب الأفلام. بدأ بناهي تنفيذ عقوبته في العام 2022 في سجن إيفين بطهران. وبعد إضرابه عن الطعام، أُفرج عنه بكفالة في أوائل 2023.

 

في أيار 2025، فاز بناهي بجائزة السعفة الذهب في مهرجان “كانّ” عن فيلمه “حادث بسيط”. وبذلك أصبح رابع مخرج (إلى جانب هنري جورج كلوزو، ومايكل أنجلو أنطونيوني، وروبرت ألتمان) يفوز بالجوائز الثلاث الكبرى في أهمّ ثلاثة مهرجانات سينمائية أوروبية: كانّ، والبندقية، وبرلين.

 

بعد نجاح فيلم “حادث بسيط” في “كانّ”، يسافر بناهي بانتظام إلى الخارج للترويج له. الفيلم من إنتاج فرنسي، وكان الفيلم مرشّح فرنسا لجوائز أوسكار. في أوائل كانون الثاني 2025، حُكم على بناهي غيابياً بالسجن لمدة عام واحد ومنعه من السفر لمدة عامين. ومع ذلك، فهو ينوي العودة إلى إيران بعد انتهاء حملة جوائز أوسكار لفيلمه.