في ليلة تاريخية من ليالي مارس عام 1998، وقف المخرج “جيمس كاميرون” على منصة الأوسكار ملوحاً بتمثاله الذهبي، وصيحته الشهيرة “أنا ملك العالم” تتردد في أرجاء هوليوود والعالم أجمع. لم تكن تلك الصرخة مجرد نشوة فوز بـ 11 جائزة لفيلم “تيتانيك”، بل كانت إعلاناً عن ذروة سينمائية لم تتكرر؛ حيث تسمّر 57 مليون مشاهد خلف الشاشات في طقس اجتماعي موحد لم تشهده الجوائز منذ ذلك الحين.

اليوم، وبينما تغرق أرقام المشاهدة في قاع المحيط لتصل إلى ثلث ما كانت عليه، يبرز السؤال الوجودي: هل المشكلة في السينما التي تغيرت ملامحها، أم في الأوسكار التي انحازت للنخبوية، أم في الجمهور الذي انكسر بروتوكوله مع الشاشة الكبيرة؟

كان حفل 1998 سريالياً ومبهراً بكل المقاييس؛ لدرجة لم يتخيلها أحد، حيث ظهر الدب “بارت” بضخامته الأسطورية على المسرح ليسلم جائزة تقنية، في مشهد جسّد “سحر هوليوود” الذي يمزج بين الغرابة والجمال.

كان الأوسكار حينها “عيداً عالمياً” يجمع بين البذخ الفني والقبول الجماهيري الجارف. لكن بمرور السنوات، تحول الحفل من “موعد مقدس” ينتظره الملايين على أحر من الجمر، إلى “حدث ثانوي” يكتفي البعض بمتابعة نتائجه أو لقطاته السريعة عبر منصات التواصل الاجتماعي، مما أفقد السجادة الحمراء هيبتها التاريخية وبريقها الذي لا ينطفئ.

تُعد هذه المفارقة هي “العقدة” الحقيقية التي خنقت بريق هوليوود في الألفية الجديدة، حيث انقسمت الصناعة إلى قطبين متنافرين لا يلتقيان إلا نادراً.

فمن جهة، نجد أفلام “الهيبة” (الأفلام النخبوية) التي تُصنع بميزانيات “مجهرية” وتستهدف الذائقة النقدية والجوائز، لكنها تظل حبيسة صالات العرض المحدودة ونقاشات النقاد، وكأنها تُخاطب نفسها في غرف مغلقة.

وفي المقابل، تتوغل أفلام “الفشار” (الأفلام التجارية) كآلات ضخمة عابرة للقارات، تُهيمن على شباك التذاكر العالمي وتُشبع نهم الجمهور للإثارة البصرية، لكنها تُعامل من قِبَل الأكاديمية كـ “وجبات سريعة” تفتقر للعمق الدرامي، مما خلق فجوة هائلة جعلت المشاهد العادي يشعر بأن جوائز الأوسكار لم تعد تمثله أو تحتفي بما يشاهده فعلاً.

ويظهر هذا الانشطار بوضوح حين نتأمل أفلاماً مثل “أرض الرحّل” (Nomadland) الذي فاز بجائزة أفضل فيلم عام 2020 بميزانية ضئيلة لم تتجاوز 5 ملايين دولار، وبينما احتفى به النقاد كتحفة فنية، لم يسمع به قطاع واسع من الجمهور العام، تماماً كما حدث مع فيلم “ضوء القمر” (Moonlight) الذي فاز بالأوسكار بميزانية لا تتعدى 1.5 مليون دولار، لكنه ظل بعيداً عن صالات السينما التجارية التي تكتظ بالجمهور.

وفي المقابل، نجد ظواهر ثقافية عالمية مثل سلسلة “المنتقمون: نهاية اللعبة” (Avengers: Endgame) التي حققت قرابة 2.8 مليار دولار، ومع ذلك تجاهلت الأكاديمية قيمتها السينمائية في الفئات الكبرى، أو فيلم “الرجل العنكبوت: لا عودة إلى الديار” (Spider-Man: No Way Home) الذي أنقذ دور السينما من الإفلاس، ومع ذلك لم يجد له مكاناً في قائمة ترشيحات “أفضل فيلم”، مما أثار غضب الجمهور الذي رأى في ذلك “استعلاءً” نخبوياً غير مبرر.

أبعد من جودة الأفلام، هناك تحول سيكولوجي واجتماعي أجهز على هيبة الحفل. ففي عام 1998، كان المشاهد يترقب الأوسكار لرؤية “أيقونات” بعيدة المنال (توم كروز، جوليا روبرتس، ليوناردو دي كابريو) في ظهورهم النادر.

أما اليوم، ومع سطوة وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح النجوم متاحين “على مدار الساعة”، مما أفقد السجادة الحمراء هالة الغموض والقدسية.

علاوة على ذلك، ساهمت ثقافة “التريند السريع” في قتل الرغبة بمتابعة حفل يمتد لساعات؛ إذ يفضل المشاهد المعاصر رؤية “الصفعة” الشهيرة أو أي واقعة مثيرة في مقطع “تيك توك” مدته 15 ثانية بدلاً من الجلوس طيلة الليل.

كما يرى نقاد أن تركيز الأكاديمية المتزايد على “الأجندات الاجتماعية” ومعايير التنوع الجديدة حوّل الحفل أحياناً من “احتفال ترفيهي” إلى ما يشبه “المحاضرة الأخلاقية”، مما زاد من اغتراب المشاهد الباحث عن المتعة الخالصة.

لكن، ومع وصولنا لعام 2026، يبدو أن هناك محاولات لترميم هذا الصدع. لقد كانت ظاهرة “أوبنهايمر” في 2024 بمثابة طوق نجاة، حيث أثبت المخرج “كريستوفر نولان” أن الجمهور لا يزال متعطشاً لسينما ذكية وجادة إذا قُدمت بضخامة بصرية، جامعاً بين “الهيبة” الفنية والنجاح التجاري بمليار دولار.

ومع ذلك، تواجه الأكاديمية اليوم تحديات وجودية؛ فالعولمة التي أدخلت أفلاماً مثل “طفيلي” (Parasite) الكوري إلى دائرة الضوء، جعلت الحفل يبدو أقرب للمهرجانات الدولية منه إلى احتفال هوليوودي خالص.

أضف إلى ذلك، الرعب القادم من “الأفلام المولدة بالذكاء الاصطناعي” الذي دفع المصوتين للتمسك بالقصص البشرية التقليدية، وهو ما يفسر استمرار فوز الأفلام “المستقلة” رغم خسارتها للقاعدة الجماهيرية العريضة.

الأرقام لا تكذب؛ ففي التسعينيات كان متوسط ميزانية الفيلم الفائز 50 مليون دولار، بينما انخفض اليوم لدرجة أن أفلاماً بميزانية 6 ملايين دولار تكتسح الجوائز الكبرى. هذا التقلص المالي قابله تقلص في سعة الصبر لدى المشاهد الذي لم يعد يحتمل ساعات البث الطويلة.

وبانتقال الأوسكار المرتقب إلى منصة “يوتيوب” بحلول 2028، نودع رسمياً عصر “التلفزيون التقليدي” الذي كان يجمع العائلات حول العالم لمشاهدة لحظة إعلان الفائز.

الأوسكار اليوم تشبه تماماً شخصية “جاك داوسون” في المشهد الختامي لفيلم تيتانيك؛ فهي تتجمد ببطء في مياه النخبوية الباردة بينما يراقبها الجمهور من بعيد فوق قارب النجاة.

وبينما ننتظر أفلاماً قد تعيد هذا التوازن المفقود، يبقى التساؤل قائماً: هل تستطيع الأكاديمية استعادة روح الدهشة التي صنعها الدب “بارت” والملك “كاميرون”؟ أم أنها ستظل مجرد ذكرى جميلة لجيل شهد عصر السينما الذهبي قبل أن يبتلعه جليد “الديجيتال” وتيارات التغيير التي لا ترحم؟