الكاتب والباحث والناقد شارلي سميا

في “مهرجان البستان” العالمي لهذا الموسم بعنوان “العائلة والأصدقاء”، كان الإستهلال مع الثلاثي خليفة (مارسيل, رامي وساري) برفقة الثنائي روحانا (شربل ونديم). عائلتان وصوتٌ واحد بعقل واحد، نفس واحدة، وقلب واحد بين الموسيقيين من أجل وحدة الرسالة الموجّهة عن إيمان وفكر مطبوع بالحقيقة والوجدان.
برنامج الحفل بقيادة الكبير مارسيل خليفة تضمّن الأعمال التي تعكس واقعنا اليوم بآلامه المريرة، بؤسنا الشديد، وضعنا المزري، حقوقنا المهدورة، تآمر الدول علينا، صراخنا ومناجاتنا للعالم، صلابتنا بالتكيّف، جذورنا المُتصلبة بالأرض والمُضيئة لكل بصيص نور وأمل.

فالألوان والأساليب الموسيقية المتنوعة للمؤلفين الموسيقيين الحاضرين، أمتعت الحضور الكريم بإختلافها، وأفهمتهم المحتوى للمضمون بتوحدها. فها نحن نرقص الحزن، نغنّي البكاء، نشدو الحب، نسافر بالقلق والهموم، نشكو الظلم، نقاوم الغزاة بلغة الموسيقى وقريحة الشعر. من هنا كانت الموسيقى سرديّة بإمتياز.

وكان البادئ مارسيل في أول عمل مع المقطوعة الموسيقية “خيام”، على مقام الراست واللون البدوي البقاعي يعكس فيها النمط المعيشي للبدو،حواراتهم ضمن الأصوات المختلفة داخل المقطوعة، أشغالهم، الرقص مع تغيُّر إيقاع النوطة، الحزن مع التقسيمة للعود. البدو متجذرون في أرضهم، لا قرف، لا تزمّت ولا خجل. فمَن ينكر أصله لا أصل له. الثورة والمقاومة للحفاظ على الأرض، الكرامة والوطن.

“يطير الحمام” أيضًا لمارسيل على مقام النهاوند بثلاث أنماط الهارموني، الميلودي، الطبيعي. تبدأ بالأجواء النيوكلاسيكية على البيانو ومن ثم تسليمة للعود بإيقاع هادئ تأمّلي في البداية، ولكن مع العود ينتقل الإيقاع والأفكار الموسيقية إلى حركة الحمام في الغط والطيران. فكرة تأتي وتذهب بثانية وأخرى تأتي مكانها بثانية. تتصاعد الطبقة في الغناء دلالة على الحنين المتعطش المتزايد والمتصاعد والحب اللامحدود، يرافقه عزف سريع الوتيرة في ارتعاش الكيان الإنساني وخفقان القلب السريع. اللافت هو الإلقاء الملحمي في المغنى “الإلقاء المُغنّى” بتعبير درامي مع جوّ صلاة وخشوع من حيث إعطاء كلّ كلمة حقها في التعبير. فكلمة “يطير” تُقال على أعلى، بينما كلمة “هبوط” تُقال على انخفاض. أنين، شجن، توق، استحضار الحب، الحبيبة. في اللحن والأداء في المغنى ينقل خليفة الأغنية والمعنى إلى حقل أوسع وهو الوطن. فلو كان الحب هكذا ما كان حلّ بالأوطان؟. هو يترك الجواب للحاضرين.

حضر ساري خليفة في مقطوعته “صرخة” كثالث عمل. تناولت تقسيمات من موسيقى عصر الباروك، الكلاسيك، موسيقى البدو بتقنية الربابة على التشيلو، الجوّ اللبناني الشعبي والتراثي، النمط الأسباني بتقنية الغيتار. أبدى بينهم حبكة متينة بالإنتقال بين لون ولون معتمدًا على الجمال الموسيقي القريب للأذن، مهارة العزف المحترفة. هي فعلًا صرخة بألوان موسيقية مختلفة إلى دول العالم عن معاناتنا، عذاباتنا، وقهرنا. فكان ساري يستحضر الصوت البشري الصارخ من خلال آرك التشيلو الذي كان يُمشّط أوتاره كاملةً في وقت واحد.

أمّا “الخليفة” الثالث، رامي مارسيل خليفة فحضر بمقطوعته “المحيط”. في فكر رامي خليفة الموسيقيّ هناك محيط تتغلغل فيه الأفكار الموسيقية بالأحداث، فيتولّد منه “السوناتا السردية” التي تحمل فكرًا موسيقيًّا بالتأليف يكتب نصًّا كاملًا بالكلام. إذ ركب الطائرة مُحلِّقًا فوق المياه مع موسيقى تأملية وإيقاع تكراري للجمل الموسيقية حاملًا حنين الوطن، يتغيّر الجو الموسيقي بالتخبط النفسي مع الإنطباع للأخبار السيئة في الوطن المقرونة بالحدس البشري. وكلّما إقتربت المسافة اقترب البكاء والأنين بالمشي والتأمل بين الشوارع، البيوت المهدّمة والأوضاع المُترديّة.

يعود مارسيل من جديد مع “ريتا” التي تؤالف بين الموسيقى العربية والنهج الكلاسيكي لموسيقى الغيتار اللاتينية، مع مزج الفكر الكلاسيكي لسوناتات البيانو. يخيّم على القصيدة الانتقال في الأداء الصوتي للمغنى مع عزف النوتات المتغايرة بسرعاتها المتفاوتة، لإبراز كل حدث في العلاقة من خلال أثره، قوته وإنعكاساته على حبيب قلبه قلب وطن.
مقطوعة “سماعي” على مقام البيات لمارسيل على آلة العود تجمع فيها عدة حركات. فيها الفكر للقالب الكلاسيكي من حيث تعدد الحركات ضمن السيمفونية (بوليفوني) والسوناتا (آلة واحدة). سبقت المقطوعة تقسيمة من المؤلف الموسيقي الإستثنائي لآلة العود شربل روحانا على مقام البيات كتمهيد للدخول في المقطوعة. اللغة الموسيقية مزجت بين الفولكلور اللبناني والفكر الكلاسيكي.

سابعًا مقطوعة “تانغو” من تأليف مارسيل ودخول أنامل المبدع على الأكورديون نديم شربل روحانا. بداية المقطوعة تقسيمة ذات طابع تعبيري للرقص، ثم يدخل حوار ثنائي في التانغو ما بين الأكورديون والتشيلو كسوناتا لآلتَين, ثم يعود النهج الكلاسيكي للتانغو الراقص. يمزج خليفة بين ثلاثة محاور في التانغو للكوريغرافيا الراقصة على المسرح.

يعود رامي خليفة نجل مارسيل في موسيقى جنائزية لبيروت على خلفية إنفجار المرفأ. عمل سيمفوني سردي بإمتياز على البيانو. استطاع فيه من خلال تغيير الأنماط الموسيقية الكلاسيكية من خلال الأنغام والسرعات، كتابة قصة الإنفجار من أولها إلى آخرها بالموسيقى والعزف. صدمة الإنفجار وضياع الناس في تحديد الأسباب، البكاء، ثم السير في النفق المجهول. تصاعد الوتيرة في الموسيقى للإستنكار، ثم العودة إلى البكاء مع الهدوء. تقسيمة حزن مع جوّ البزق على البيانو. ثم يدخل رامي بالشجن مع صوته، فهذا النواح اليومي في الأذهان، الواضح على العيون والسلوك لأهالي المفقودين والمواطنين. حدث في الذاكرة الجماعية والوطنية لن يُمحى إلى الأبد. يُعبّر المؤلف في نهاية المقطوعة عبر وتيرة تصاعدية تعكس التضامن مع الأهالي، عدم السكوت، الصراخ الجنوني إلى ما لا نهاية لتحقيق العدالة وتغيير بوصلة الإتجاه للوطن.

ختامها مسك مع “يا بحرية” لمارسيل. تبدأ بتقسيمة على الأكورديون مكتوبة أساسًا على الكلارينت. بمهارة نديم روحانا قام بأقلمتها كما هي بأمانة وإحترافية بما فيها من فرق بين النفخ والأصابع على الأكورديون. أغنية في ال Avant garde, ختم مارسيل فيها لجمع الشمل نحو الوطن بالثورة على الظلم، فجميعنا صيادو سمك. والسمكة اليوم ترمز إلى عملنا كمواطنين في جميع الحقول. علينا الجميع الإلتفاف نحو الحقيقة وإحقاق الحق.

|
لمتابعة أهم وأحدث الأخبار انضموا إلينا عبر قناتنا على واتساب (channel whatsapp)

اضغط هنا