تتداول أوساط سياسية وعسكرية في مصر أنباء عن إطاحة رئيس النظام عبد الفتاح السيسي باللواء ممدوح شاهين، مساعد وزير الدفاع للشؤون القانونية والدستورية وعضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة، في خطوة – إن صحت – تمثل نهاية آخر حضور  لما يعرف بـ”حرس انقلاب يوليو/تموز 2013″ داخل قمة المؤسسة العسكرية.

وبحسب ما أعلنه الباحث العسكري محمود جمال، عبر حسابه على منصة “إكس”، جرى تعيين رئيس هيئة القضاء العسكري اللواء حاتم الجزار بديلا عن شاهين، الذي ارتبط اسمه بصياغة الإطار القانوني والدستوري لمرحلة ما بعد انقلاب 3 يوليو/تموز 2013، الذي قاده آنذاك وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي، ولعب دورا محوريا في تشكيل منظومة التشريعات التي رسخت نفوذ المؤسسة العسكرية خلال العقد الماضي.

ولم يتسن لـ”عربي21″ التحقق من صحة ما أورده الباحث العسكري، كما لم تتلق الصحيفة ردا من وزارة الدفاع حتى لحظة نشر هذا التقرير. وفي حال ورود أي توضيح رسمي، سيتم تحديث النص بما يطرأ من معلومات جديدة.

— Mahmoud Gamal (@mahmoud14gamal) February 25, 2026

آخر عسكر 30 يونيو

وفي كانون الأول/ يناير 2025، كان الباحث جمال، قد أكد أن “الوحيد المتبقي من أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة أثناء أحداث 3 تموز/ يوليو 2013، هو اللواء ممدوح شاهين وبخلاف ذلك هم على التقاعد الآن بصفة (مستدعى)”، كما أنه وفي تشكيل المجلس العسكري في تموز/ يوليو الماضي، ورد اسم شاهين، في الترتيب 21 بين قيادته.

ومنصب “مساعد وزير الدفاع للشؤون القانونية والدستورية”، يمثل وزارة الدفاع قانونيا أمام البرلمان والقضاء المدني، وبجانب دوره في صياغة التشريعات المتعلقة بالقوات المسلحة، يبقى عضوا أساسيا في المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ويشارك في اتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بالأمن القومي.

ومنذ استيلائه على السلطة منتصف العام 2013، والإطاحة بالرئيس الراحل محمد مرسي، أسس السيسي، لدولته العسكرية عبر تغيير القوانين التي ساهم في تشكيلها ممدوح شاهين، وساهمت في صناعة ولاءات  من الجيش والعسكريين ونصبت القيادات العسكرية بكل قطاعات الحكومة وأجهزتها وهيئاتها ومنحتهم سلطات أكلت من سلطة الدولة.

لماذا قبل التمديد؟

وبعيدا عن أدوار شاهين في عسكرة الدولة المصرية ودعم دولة السيسي، قانونيا، يثير توقيت الإطاحة به – إن صحت – التساؤلات والتكهنات، خاصة وأن السيسي، مقبل خلال الفترة المقبلة وبعد انتهاء ملف انتخابات البرلمان بشقيه على محاولة تغيير مواد الدستور بما يسمح له بالاستمرار في الحكم بعد انتهاء ولايته الثالثة في 2030.

وهو ما يدفع للتساؤل حول أسباب إطاحة السيسي، الآن، بآخر حرسه القديم في المجلس العسكري، والذي عاصر كل أحداث مصر السياسية، والتشريعية، وحتى الدموية، منذ 25 كانون الثاني/ يناير 2011، وبفترة حكم المجلس العسكري (2011- 2012) وعام حكم الرئيس محمد مرسي، والانقلاب العسكري 3 تموز/ يوليو 2013، والتعديلات الدستورية في 2014 و2019 وغيرها.

طبيعة المستبد

السياسي والإعلامي المصري الدكتور حمزة زوبع، قال: ليس هذا هو السؤال الطبيعي، ولكن السؤال المنطقي هو: لماذا تأخرت الإطاحة باللواء شاهين؟”، مؤكدا أنه “في الانقلابات العسكرية الضباط تأكل بعضها”، متسائلا: “ماذا فعل رئيس أركان الجيش الأسبق محمود حجازي لكي يزيله السيسي؟، وماذا فعل قائد الجيش السابق عبدالمجيد صقر الذي لم يمكث طويلا لكي يزيحه؟، وماذا فعل الآخرون لكي يزيحهم”.

المتحدث باسم حزب “الحرية والعدالة”، الحاكم سابقا (2012- 2013)، أكد لـ”عربي21″، أنها “طبيعة أي حاكم مستبد هو أن يتخلص من الآخرين، لأنه لا حسيب ولا رقيب”، متسائلا: “هل يحاسب أحد الجيش، أو الرئيس؟، هل هناك سلطة نيابية حرة توجه أسئلة أو برلمان يتساءل ولو همسا؟، هل هناك صحافة تتحدث في هذا الأمر؟”.

اظهار أخبار متعلقة

وذهب للقول: “إذا أنت أمام حالة مختلفة، وصندوق مغلق، لرجل يدير البلد ويريد أن يصنع من العاصمة الجديدة ممفيس عاصمة العسكر القديمة، بحيث لا يدخلها المدنيون ولا يسكنها غير العسكريين”.

وعن تغيير شاهين، أكد أنه “ترزي قوانين السيسي، الذي لن يعجز عن جلب ترزي قوانين آخر؛ فهناك عشرات من ترزية القوانين ينتظرون دورهم ليخدموه بكل غالي ورخيص للبقاء في الصورة ومقابل منصب كوزير للعدل يوما ما”.

تحريك وفق قواعد

وفي قراءته للمشهد، قال السياسي المصري الدكتور عمرو عادل، لـ”عربي21″: “نحن لا نزال نرى القيادات داخل المؤسسة العسكرية بنظرة تحتاج لترميم حتى نرى الصورة صحيحة، فهم ليسوا دمي ولا أبطال هم يتحركون طبقا لقواعد متفق عليها”.

رئيس المكتب السياسي للمجلس الثوري المصري، أكد أن “هناك قوى تحرك المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية والاستخباراتية في مصر”، موضحا أن “هذا نتج عن تراكم كبير وتعقيدات ضخمة عبر عقود ماضية”.

وألمح إلى أن “هناك القيادة السياسية التي هي منتج من منتجات المؤسسة العسكرية، ولن تقبل المؤسسة العسكرية بغير ذلك”، مضيفا: ثم القوى الإقليمية النافذة والقوى الدولية”.

ويعتقد أن “الأصل أن القيادة السياسية هي صاحبة الأمر النهائي في الظروف العادية على المؤسسة طالما لا تتأثر مصالحها ولا يوجد معارضة من القوى الإقليمية والدولية”.

وأوضح أنه “لذلك لا مشكلة في الإطاحة أو تغيير أي عنصر من القيادة ما لم تمس مصالحه؛ كما أن المؤسسة تقف وراء الرئاسة ضد أي تمرد من أي من أفرادها كما حدث مع الفريق سامي عنان، وغيره”.

وتوقع عادل، أن “يكون ممدوح شاهين نفسه ربما يريد الخروج من الصورة أو ربما قرر السيسي تغييره لحساباته الخاصة؛ الأمران سيان”، مؤكدا أن “المؤسسة العسكرية قد تتصادم مع مؤسسة الرئاسة إذا أضيرت مصالحها بشكل مباشر أو إذا كانت هناك رغبة إقليمية ودولية في التغيير”.

وأضاف: “أما إذا لم تضار مصالح المؤسسة ولا يوجد توافق دولي وإقليمي فستبقى المؤسسة العسكرية خاضعة للقيادة السياسية؛ وفي هذه الحالة لا يمكن رؤية تغيير القيادات بأكثر من حجمها الطبيعي”.

اظهار أخبار متعلقة

وختم مؤكدا أن “الصراع دائما موجود ولكن ما هو مستواه ودرجة تأثيره؟”، مبينا أن “النظرة السليمة ترى مستوى الصراع بين المؤسسة العسكرية والسياسية لا يرتقي لإحداث أزمة بخروج أيا من القيادات، وما حدث خلال العقد السابق يؤكد ذلك، ووجود شاهين أو غيره لا أعتقد أن له تأثير على خطط السيسي ومؤسساته للفترة القادمة”.

شاهين وعسكرة مصر

ممدوح شاهين، مواليد قرية “العمار الكبرى” مركز طوخ محافظة القليوبية (شمال القاهرة)، ظهر اسمه إعلاميا كغيره من قادة الجيش مثل السيسي، واللواء محمد العصار، واللواء حمدي بدين وغيرهم عقب ثورة يناير 2011.

ارتبط ظهور شاهين، إعلاميا باستفتاء المجلس العسكري على التعديلات الدستورية آذار/ مارس 2011، والانتخابات البرلمانية نهاية 2011 وبداية 2012، والرئاسية حزيران/ يونيو 2012، وصناعة دستور مصر كانون الأول/ ديسمبر 2012، لكن يبقى المشهد الأبرز في 16 حزيران/ يونيو 2012، بقرار المجلس الأعلى للقوات المسلحة حل “مجلس الشعب”، ما تسبب في أزمة لحكومة الرئيس محمد مرسي.

المرحلة الأهم في ظهور شاهين، كان عقب الانقلاب العسكري الذي قاده الفريق السيسي، منتصف 2013، والإطاحة بأول رئيس مدني منتخب ديمقراطيا الراحل محمد مرسي، حيث أصبح مرجعية السيسي، الدستورية والقانونية و”ترزي قوانين” عهده، والذي شارك في صناعة دستور 2014، واستفتاء 2019، والتمهيد لبرلمانات (2015، و2020، 2025).

دعوات لمحاكمة شاهين

وطالب البعض عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بمحاكمة اللواء ممدوح شاهين، بتهم تزوير أوراق مكان احتجاز الرئيس مرسي، عقب الانقلاب، وتلاعبه في الدستور والقوانين لصالح السيسي، والجيش، وتدخله في أعمال القضاء المدني، وفق ما جاء في تسريب صوتي له، في كانون الأول/ ديسمبر 2014.

وفي تسريب بين شاهين ومدير مكتب السيسي عباس كامل، حذر من أن دفاع الرئيس مرسي سيطعن في حبسه أمام النيابة، وأن حجزه سيكون باطلا، وسيفرج عنه، ليطالب شاهين وزير الداخلية محمد إبراهيم، في ذات التسريب بخطاب من الداخلية ينشر بالجريدة الرسمية، وبه تاريخ قديم للقبض على مرسي وحبسه بمؤسسة شرطية وليس بمبنى عسكري.

وأشاروا كذلك إلى ما جاء بالتسريب حول دوره في تبرئة ضابط شرطة نجل ضابط جيش من جريمة “سيارة الترحيلات” التي قُتل فيها 37 مصريا حرقا في 8 آب/ أغسطس 2013.


لفت مراقبون كذلك إلى دور شاهين، في التغطية على جرائم القتل والمذابح التي ارتُكبت بعهد المجلس العسكري، والسيسي، والتي راح ضحيتها آلاف المصريين من النشطاء والمعارضين وأنصار الرئيس مرسي.

وألمحوا إلى مذابح: “موقعة الجمل” 4 شباط/ فبراير 2011، و”ماسبيرو” تشرين الأول/ أكتوبر 2011، و”محمد محمود” تشرين الثاني/ نوفمبر 2011، و”مجلس الوزراء” بالشهر التالي، و”ستاد بورسعيد” شباط/ فبراير 2012، و”العباسية” أيار/ مايو 2012، و”الحرس الجمهوري” و”المنصة” تموز/ يوليو 2013، و”رابعة العدوية” و”النهضة” 14 آب/ اغسطس 2013، وما تلاهما من مجازر في “رمسيس”، و”المطرية”، و”ستاد الدفاع الجوي” شباط/ فبراير 2015، وغيرها.

وتحدث البعض عن دور شاهين، في إحالة المدنيين إلى القضاء العسكري أولا: بموجب (المادة 204) من دستور 2014، وثانيا: وفق قانون تأمين وحماية المنشآت العامة (رقم 136 لعام 2014)، ما أدى خلال تشرين الأول/ أكتوبر 2014 وحتى آذار/ مارس 2016، فقط لمحاكمة أكثر من 7 آلاف مدني أمام المحاكم العسكرية.

وفي حين يؤكد مراقبون على دور شاهين في صناعة ذلك الوضع، أوضحوا أنه على الجانب الآخر، أعلن شاهين، في 12 تموز/ يوليو 2011، رفضه التام لمحاكمة الرئيس الأسبق حسني مبارك، ورجال عهده المتورطون في جرائم فساد وقتل الثوار للمحاكمة العسكرية، رغم أن مبارك عسكري سابق.

قوانين تفصيل

ويشير محللون إلى دور شاهين، في تقديم قوانين ساهمت في عسكرة حياة المصريين، ومنها في تشرين الأول/ أكتوبر 2014، بصدور القرار الجمهوري رقم 136 الذي وسع اختصاصات القضاء العسكري ليشمل “تأمين المنشآت العامة والحيوية” (مثل محطات الكهرباء، السكك الحديدية، والطرق)، وهو ما أدى لإحالة آلاف المدنيين لمحاكمات عسكرية.

وفي نيسان/ أبريل 2019 صدور “التعديلات الدستورية”، التي تمنح (المادة 200)، منها الجيش مهمة “صون الدستور والديمقراطية والحفاظ على مدنية الدولة”، وهو نص تراه المعارضة تقنين لتدخل الجيش في العمل السياسي.

واقتصاديا، توسع الجيش في كل قطاعات الدولة المدنية، عبر قوانين منها: القانون (198 لسنة 2014) الذي منح وزارة الدفاع حق استغلال المحاجر والمناجم، ثم القرار (446 لسنة 2015) الذي سمح لجهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة بتأسيس شركات تجارية بجميع أشكالها.

وتشير التقارير إلى وجود 97 شركة مملوكة للجيش تهيمن على قطاعات استراتيجية (مثل الأسمنت، الحديد، الطرق، والأغذية)، مستفيدة من إعفاءات ضريبية وجمركية وفقا لقانون ضريبة القيمة المضافة لعام 2016.

اظهار أخبار متعلقة

كما تم إحكام السيطرة على الجهاز الإداري والقضائي عبر قانون (رقم 3 لسنة 2024) بشأن تأمين المنشآت، والذي منح ضباط الجيش صفة “الضبطية القضائية” بشكل دائم وواسع.

ليشهد عام 2025، إلزام المتقدمين للوظائف الحكومية والنيابة العامة خوض دورات تدريبية في “الأكاديمية العسكرية”، في إجراء تصفه المعارضة بأنه “عسكرة للدولة” ولضمان ولاء الموظفين والمدنيين للمنظومة العسكرية.