لم يكن من المتوقع أن يصبح المسلسل المصري “صحاب الأرض”، حديث غرف الأخبار في تل أبيب قبل أن يكتمل أسبوعه الأول على الشاشات العربية.
العمل الذي تتصدر بطولته منة شلبي وإياد نصار، ومن إخراج بيتر ميمي، لم يكتفِ بإثارة نقاش فني حول مستواه الدرامي، بل فتح جبهة سجال واسعة بين روايتين: رواية إنسانية تقدم معاناة المدنيين في غزة، ورواية إسرائيلية ترى في العمل انحيازًا سياسيًا وتوظيفًا دراميًا للصراع.
المسلسل، الذي يعرض ضمن سباق رمضان 2026، يقترب من الحرب في قطاع غزة عبر شخصيات مدنية تعيش تحت القصف والحصار.
الطبيبة المصرية “سلمى” (منة شلبي) تجد نفسها شاهدة على انهيار المنظومة الصحية وسط تصاعد العمليات العسكرية، بينما يجسد إياد نصار شخصية “ناصر”، الفلسطيني الذي يحاول حماية أسرته في واقع تتآكل فيه المسافات بين الحياة والموت.
الطرح الدرامي جاء مكثفًا ومباشرًا، مستشفيات تتعرض للقصف، عائلات تنزح، وأطفال يبحثون عن مأوى.
هذه الصور، كما يراها صنّاع العمل، ليست سوى انعكاس إنساني لما عاشه المدنيون، لكن في المقابل، اعتبرت وسائل إعلام إسرائيلية أن المسلسل يقدّم “رواية أحادية” تتجاهل سياق الهجوم الذي شنته حركة حماس في 7 من تتشرين الأول 2023.
سرد إنساني أم اصطفاف سياسي؟
شدد أبطال العمل على أن الهدف لم يكن تقديم “بيان سياسي”، بل حكاية بشر في لحظة انهيار.
إياد نصار صرّح بأن العمل يسعى إلى “توثيق الألم الإنساني بلغة الفن”، معتبرًا أن الدراما ليست مطالبة بتبني خطاب رسمي بقدر ما هي معنية بنقل التجربة البشرية.
في المقابل، رأت تعليقات في صحف عبرية مثل أن المسلسل يندرج ضمن “موجة درامية عربية تستثمر الصراع سياسيًا”، مشيرة إلى أن تقديم الجيش الإسرائيلي بصورة المعتدي دون إبراز روايته الكاملة “يبسّط واقعًا معقدًا”.
كما تناول موقع العمل بنبرة نقدية، معتبرًا أن المسلسل “يوظف العاطفة لتشكيل وعي جماهيري مناهض لإسرائيل”.
هذا التوصيف قوبل بردود عربية رأت أن النقد الإسرائيلي ذاته يعكس حساسية مفرطة تجاه أي سرد لا يتطابق مع الرواية الرسمية، وأن قوة العمل تكمن في كونه يعرض زاوية إنسانية غالبًا ما تغيب عن الإعلام الغربي.
رد رسمي إسرائيلي.. وتصعيد في اللهجة
التفاعل لم يقتصر على مقالات رأي، فقد اعتبرت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي، إيلا واوية، المسلسل بأنه “تحريف للحقائق” و”مادة تحريضية”.
وقالت إن الفن رسالة، لكن عندما يكون نظيفًا، لكن غير ذلك يكون غسيلًا للعقول وتزييفا للحقائق.
“التحريض لا يقتصر فقط على الهتاف والكلام العالي، لكنه من الممكن أن يكون مسلسلًا ومشهدًا تفصيليًا وقصة مصنوعة لكي تقلب القاتل ضحية، والضحية متهم”، بحسب ما قالت المتحدثة.
وترى أن مسلسل “صحاب الأرض” ليس دراما، لكنه تزوير للتاريخ حسب زعمها، وتشويه متعمد وتمثيل رخيص للحقيقة، فأصحاب الأرض الحقيقيون هم الذين دافعوا عن أرضهم وعن أولادهم وبيوتهم، فخليكوا جدعان واسردوا الحقيقة كلها”.
مخرج مسلسل “صحاب الأرض”، بيتر ميمي، رد على تصريحات إيلا واوية، حيث نشر صورة في حسابه عبر منصة “فيسبوك“، لإحدى الممثلات بالمسلسل والتي تتشابه ملامحها مع إيلا، وعلق قائلًا: “تزييف حقايق إيه؟ ده الفيديوهات موجودة، عمومًا أنا دوخت علشان أجيب ممثلة تكون شبهك، والنصر لكل مظلوم”.
هذا التصعيد منح العمل بعدًا أبعد من كونه إنتاجًا دراميًا، ليصبح مادة في نقاش أوسع حول “القوة الناعمة” وتأثير الفن في تشكيل الرأي العام.
رد الفعل الرسمي، سواء في بيانات أو تسريبات لوسائل إعلام، يعكس إدراكًا لتأثير الدراما المصرية في المنطقة، خاصة مع الانتشار الواسع للأعمال الرمضانية عبر المنصات الرقمية.
بين التعاطف والجدل
في الفضاء العربي، حظي “صحاب الأرض” بإشادة واسعة من متابعين رأوا فيه توثيقًا صادقًا لمعاناة المدنيين، بينما انتقده آخرون لجرأته الزائدة أو لاقترابه من أحداث ما تزال ساخنة سياسيًا.
بعض الأصوات الفلسطينية نفسها انقسمت بين من رأى في العمل دعمًا معنويًا، ومن اعتبر أن إعادة تمثيل المأساة قد تعيد فتح جراح لم تلتئم.
نقاد الفن، بدورهم، ركزوا على عناصر الأداء والإخراج، مشاهد الإسعاف الميداني، التصوير في مواقع تحاكي الدمار، والموسيقى التصويرية التي عززت الإحساس بالتوتر.
ورغم تباين الآراء حول الحبكة، اتفق كثيرون على أن العمل نجح في إثارة نقاش واسع يتجاوز تقييمه كمنتج ترفيهي.
دراما تتجاوز الشاشة
بين إشادة عربية وانتقاد إسرائيلي، يقف “صحاب الأرض” في منطقة شائكة تتقاطع فيها الدراما مع السياسة.
العمل لم يقدّم نفسه بوصفه وثيقة تاريخية، لكنه بالتأكيد دخل سجال الروايات.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل يمكن للفن أن يظل محايدًا في صراع بهذا التعقيد؟ أم أن مجرد اختيار زاوية إنسانية يعني الانحياز تلقائيًا إلى طرف دون آخر؟
في كل الأحوال، أثبت “صحاب الأرض” أن الدراما لم تعد مجرد سباق نسب مشاهدة، بل ساحة تتواجه فيها السرديات، بالكاميرا هذه المرة، لا بالبيانات الرسمية.
Related
