في “عش الطمع” لا نتابع حكاية فحسب، بقدر ما نُستدرج إلى هاوية السؤال. وماذا يحدث حين يصبح الفقر قدراً والطمع خلاصاً زائفاً، بسؤال مفتوح: من يبيع من، الإنسان أم ظروفه؟ وأيُّ قلبٍ يحتمل أن يتحول الرضيع إلى رقم في صفقة باردة؟ وهنا تتقاطع الحاجة مع الخطيئة، ويغدو الضمير ساحة معركة بين أمومةٍ جريحة وسوقٍ لا يشبع.

وتقول بطلة مسلسل “عش الطمع” شامة: “نحن لا نبيع الأطفال، نحن نربط المصائر”. لكن أيُّ مصائر تُربط بخيط المال؟ وأيُّ براءةٍ تنجو من قسوة التبرير؟ إن الدراما، وهي تكشف المستور، تضعنا أمام مرآة قاسية. هل الطمع لعنة فردية أم بنية اجتماعية تُشيِّئ الإنسان؟ وهل يمكن للفن أن يطهّر ما أفسدته الحاجة؟ بين الطمع واليأس والحنين، يتكوّن جرح الحكاية، ويتحوّل البحث عن طفلٍ مفقود إلى بحثٍ عن معنى العدالة والكرامة في عالمٍ يساوم على الحياة. ذاك هو جوهر مسلسل “عش الطمع”.

“عش الطمع” .. لعنة الفقر

تُعدّ دراما الطمع واحدة من أكثر المسارات السردية كثافة وإثارة للقلق في التاريخ الفني، لأنها تضع الإنسان في مواجهة رغباته حين تنفلت من عقال القيم وتتحول إلى قوة مدمِّرة. الطمع هنا ليس مجرد نزوع إلى الثراء، فهو انحراف في معنى الامتلاك ذاته، حين يغدو الآخر سلعة، وحين يتحول الجسد إلى موضوع تبادل، وحين تُختزل الروابط الإنسانية في منطق العرض والطلب.

وفي هذا الأفق المظلم تبرز قصص الاتجار بالبشر وبيع الرضع بوصفها الذروة الأخلاقية لانهيار المعنى، إذ يُختزل الميلاد، بما يحمله من رمزية البراءة والبداية، في صفقة مالية باردة. وهنا يمكن أن نتحدث عن مسلسل “عش الطمع” (2026) من إخراج أيوب لهنود وبطولة السعدية لديب ومريم الزعيمي وأمين الناجي والسعدية أزكون ومريم لمكيمل وفاطمة الزهراء الجوهري… وما يثيره من إشكاليات فنية وأدبية واجتماعية ومن متابعات فرجوية ونقدية.

درامياً، ينبني هذا النوع من الحكايات – مسلسل “عش الطمع” – على صراع مزدوج: صراع خارجي بين شبكات الاستغلال والقانون أو الضمير، وصراع داخلي في نفوس الشخصيات التي تجد نفسها ممزقة بين الحاجة والندم والخوف. ولا يُقدَّم الطمع عادة بوصفه شراً خالصاً، وإنما بوصفه انزلاقاً تدريجياً، يبدأ بتبرير صغير وينتهي بكارثة أخلاقية، كحال بطلة المسلسل شامة (السعدية لديب)، إذ يُقال على لسان شخصية متورطة في الاتجار: “لم أكن أبيع طفلاً، كنت أبيع فرصة لحياة أفضل”، وهي جملة تكثف آلية التبرير التي تُحوِّل الجريمة إلى فعل يبدو عقلانياً في لحظة ضيق.

ثلاثية الطمع واليأس والحنين

وعلى المستوى الدرامي، تناولت العديد من المسلسلات والأفلام هذه الثيمة عبر مقاربات مختلفة. فعلى سبيل المثال، في فيلم Shoplifters / “سارقو المتاجر” (2018) للمخرج الياباني هيروكازو كوريدا، لا يظهر بيع الرضع بوصفه تجارة منظمة، وإنما بوصفه سؤالاً أخلاقياً حول من يملك حق الانتماء. فالعائلة الهشة التي تضم طفلة مهملة تطرح إشكالية معكوسة، حيث لا يكون الطمع مالياً بقدر ما يكون طمعاً في الحب والانتماء. وتقول إحدى الشخصيات: “ليست الروابط الدموية هي التي تصنع العائلة”، لتفتح الباب أمام مساءلة قانونية وأخلاقية حول مفهوم الاتحاد بالطفل، هل هو فعل إنقاذ أم اختطاف مقنّع؟

ويتطرق مسلسل “عش الطمع” إلى فكرة أساسية عن الحاجة التي تدفع الشخصيات لممارسة هذا الفعل تحت ظروف اجتماعية مختلفة، لكن الرابط المشترك هو الانتماء إلى نفس العائلة والحي والوضع الاجتماعي الهش وحلم الترقي الاجتماعي والبحث عن استعادة الحنين المفقود…

وفي المقابل، يعالج فيلم Broker / “السماسرة” (2022) للمخرج نفسه وبنكهة كورية جنوبية، شبكة وسطاء يعرضون الرضع للتبني خارج الأطر الرسمية. وهنا يتقاطع الطمع مع اليأس، وتظهر الشخصيات في منطقة رمادية بين الاستغلال والرغبة في منح فرصة جديدة للحياة. يقول أحد الوسطاء بذات العبارة: “نحن لا نبيع الأطفال، نحن نربط المصائر”، وهي عبارة تكشف هشاشة الخط الفاصل بين التجارة والعاطفة. الفيلم لا يبرئ أحداً، لكنه يفضح البنية الاجتماعية التي تجعل من الرضيع موضوع مساومة وقصة سمسرة.

ونفس المنطق يتبعه مسلسل “عش الطمع” بربط المصائر وبحث البطلة مريا (مريم الزعيمي) عن طفلها وقيامها بأي شيء مقابل معرفة مآل طفلها الذي فقدته في ظروف خاصة.

أدبيات الفقدان والهوية

اقتربت الدراما الأمريكية من بيع الرضع بفيلم Juno / “جونو” (2007) للمخرج الكندي Jason Reitman من فكرة مراهقة ذكية وساخرة تكتشف أنها حامل من صديقها وتبحث عن عائلة للتبني، حيث لا يكون الطمع مادياً مباشراً، وإنما يتسلل في صورة رغبة زوجين في امتلاك طفل كحل لأزمة زواج. ورغم الطابع الكوميدي الخفيف، فإن العمل يلمح إلى هشاشة النوايا حين تتحول الأمومة والأبوة إلى مشروع تعويض نفسي. وفي مسلسل “عش الطمع” تسلل فكرة بيع المخدرات والاتجار بالبشر في مستوى ثان من الحكاية، مما يخلق بناءً سردياً متمدّداً مع لعبة التشويق ولعبة الزمن التراجعي في كل حلقة.

وهذا يدفعنا للحديث عن تجربة في السياق الكلاسيكي مع الفارق أيضاً، فقد قدّمت رواية Oliver Twist / “أوليفر تويست” للكاتب شارل ديكنز صورة مبكرة لاستغلال الطفولة في شبكات الجريمة، حيث يُدفع الأطفال إلى السرقة والتسول. وصحيح أن النص لا يتناول بيع الرضع صراحة، لكنه يكشف البنية الاجتماعية التي تجعل الطفولة مادة للاستثمار غير الأخلاقي، حينما يصف ديكنز عالمه القاسي: “القانون ينام حين يجوع الطفل”، وهي عبارة تلخص مناخاً يسمح للطمع بأن يتغذى على الهشاشة.

وترتبط دراما بيع الرضع كذلك بأدبيات الفقدان والهوية. والطفل الذي يُباع أو يُسلَّم خارج سياقه الطبيعي يعيش انقساماً وجودياً، ويصبح السؤال عن الأصل والاسم والذاكرة محوراً سردياً. وكثير من الأعمال تعتمد بنية التحقيق المتأخر، حيث يكتشف الطفل المتبنى في مرحلة ما أنه كان موضوع صفقة، فيتحول البحث عن الحقيقة إلى رحلة استعادة للذات. وهنا يتحول الطمع من فعل ماضٍ إلى جرح مستمر، وتغدو العدالة مسعى وجودياً لا قانونياً فحسب.

السوق السوداء للبراءة

تضع هذه الدراما – دراما “بيع الرضع” – المجتمع أمام مرآة قاسية على المستوى الأخلاقي. فكما هو الحال مع بعض شخصيات مسلسل “عش الطمع”، فهي لا تكتفي بإدانة الأفراد، وإنما تكشف شبكات الفقر والمخدرات غير النظامية التي تجعل من الجسد البشري مورداً اقتصادياً. ولا يحمل عنوان المسلسل “عش الطمع” في هذا السياق نزوة فردية فقط، بقدر ما هو نتيجة لبنية مختلة تسمح بتشييء الإنسان. لذلك كثيراً ما تنتهي هذه الأعمال بنبرة مفتوحة، لا تقدم خلاصاً كاملاً، وتترك المشاهد أمام سؤال معلّق: من المسؤول الحقيقي عن هذه السوق السوداء للبراءة؟

أسلوبياً، تميل هذه الدراما إلى الواقعية الباردة، استخدام الكاميرا المحمولة، وتتبع الشخصيات، الإضاءة الطبيعية، والاقتصاد في الموسيقى، كي لا يتحول الألم إلى استعراض عاطفي. وتخدم اللغة السينمائية هنا فكرة أن الجريمة تقع في الحياة اليومية، لا في عوالم استثنائية، إلى جانب الصمت الطويل، نظرات الأطفال، واللقطات القريبة للوجوه المرتبكة، كلها أدوات تكشف هشاشة الإنسان حين يُختزل في رقم أو ثمن.

إن دراما الطمع في سياق بيع الرضع ليست مجرد حكاية عن جريمة، فهي تفكيك لفكرة الامتلاك ذاتها. وهي سؤال عن معنى أن يُشترى الإنسان أو يُباع، وعن الحدود بين الرغبة المشروعة في الأبوة والأمومة وبين تحويل الحياة إلى سلعة. وهي، في جوهرها، دفاع عن الكرامة بوصفها قيمة غير قابلة للتداول. لذلك تظل هذه الأعمال، رغم قسوتها، مساحة للتذكير بأن البراءة ليست موضوع صفقة، وأن كل محاولة لشرائها هي خسارة أخلاقية فادحة، حتى وإن بدت في ظاهرها ربحاً مادياً عابراً.

ختاماً

لا يتركنا مسلسل “عش الطمع” أمام حكاية تُطوى، وإنما أمام وجعٍ يظل مفتوحاً كنافذة على ريحٍ باردة. ويكشف لنا أن الطمع ليس دائماً شراسةً صاخبة، فقد يكون همساً خافتاً يبدأ بخطوة صغيرة نحو التبرير ثم ينتهي بسقوطٍ مدوٍّ في هاوية فقدان المعنى.

وهنا تتعرّى القيم، وتنكشف هشاشة الإنسان حين يُدفع إلى حافة الحاجة. ومع ذلك، يظل في الدراما بصيص مقاومة، يذكّرنا بأن الكرامة لا تُباع، وأن البراءة أقوى من كل سوق سوداء، وأن الفن حين يلامس الجرح بصدق، يمنحنا شجاعة النظر إلى الحقيقة دون أن نُشيح بوجوهنا. وتُوحي تجربة مسلسل “عش الطمع” بالفرجة وبالمتابعة النقدية وبنبض تطوير الدراما المغربية إلى حالات الإقناع الفني وتجويد المنتوج الدرامي في مستويات الكتابة السردية والأداء وتحصين التجربة من الانزلاقات.