رأي خاص لـ “بصراحة”: في زمنٍ نستعيده اليوم كـ Utopia مفقودة، حيث كانت العلاقات الاجتماعية تُنسج بخيوط البساطة والفطرة، تطلّ علينا تجربتان دراميتان من رحم حقبتين متتاليتين؛ “شارع الأعشى” و”الغميضة”. في هذين العملين، لا تذوب الأدوار في سياق الحكاية فحسب، بل تنبثق من البطولة الجماعية نماذج بشرية حيّة تستحق التوقف عندها طويلاً؛ فنحن أمام وجهين للحقيقة: لولوة الملا التي جسّدت “حنان حننّي” خفيفة الروح، وعهود السامر “أم جدعان” الملقّبة بـ”غثيثة” الأعشى.

لولوة الملا.. حين تصبح “حنّني” مرآةً لانكسارنا

في مسلسل “الغميضة”، لم تكن لولوة الملا تمثّل، بل كانت “توجد”. هي فنانة ترفض السطح، وتغوص في إحداثيات الشخصية حتى تتماهى مع وجعها. أتذكرها في “عريس وعروستين” كيف طوعت الكوميديا لتخدم الدراما، لكنها في “حنّني” بلغت ذروة التجلّي.

إنها تلك الثلاثينية التي سُجن وعيها في قفص الطفولة؛ كائنٌ يعيش خفّة الوجود في مواجهة ثقل المأساة. هبة مشاري حمادة راهنت هنا على “أنسنة” الألم، ولولوة كسبت الرهان ببراعة من يمسك بمشرط الجراح. في مشهد “السوق”، حين أضاعت شقيقتها الكفيفة، لم نشاهد ارتباكاً تمثيلياً، بل عشنا “تطهيراً” أو ما يُعرف درامياً بالـ Catharsis. ذلك البكاء العاري من التزلف، الذي يجلعنا نُفكّر ولو للحظة بالنظرة التي يُرى فيها أولئك الأشخاص، وتلك الالتفاتات القلقة، لم تكن مجرد أداء، بل كانت صرخة احتجاج ضد عالمٍ يستغل البراءة ليحولها إلى مأساة. “حنّني” ليست مجرد شخصية، إنها وخزة ضمير أخلاقية تذكرنا بمسؤوليتنا تجاه الأرواح الهشة.

عهود السامر.. “أم جدعان” نحب أن نكرهها

على الضفة الأخرى، في “شارع الأعشى”، ترسم عهود السامر ملامح شخصية “أم جدعان” بكثير من الذكاء والجرأة، وتُحمّلها تيمة سيكولوجية واجتماعية فذّة؛ إنها الشخصية التي “نحب أن نكرهها”، وهذا هو النجاح الحقيقي في مختبر الأداء. عهود لم تستسلم لسهولة “النمط”، بل شحنت الشخصية بطاقة عالية من “الغثاثة” المدروسة واللسان السليط.

“أم جدعان” هي المحرك الخفي للصراعات، هي “نقالة العلوم” التي تقتات على حكايا الأعشى. في مشهد المستشفى، كانت نظراتها وحدها كفيلة باختصار صفحات من الحوار؛ نظرة تشفي غليل “الشماتة” وتؤجج الصراع. الجميل هذا الموسم هو اتساع رقعة الدور، ومنحها مساحة أكبر لممارسة “شرها الكوميدي” المحبب. إنها شخصية مركبة، تعاني من تصحر عاطفي في بيتها، فتفرغه في محيطها. عهود السامر في هذا الدور ليست مجرد جارة، بل هي تجسيد لتراكمات اجتماعية نجدها في كل زقاق، هي “الملح” الذي يعطي للدراما طعمها الحاد، ونحن بانتظار تحولاتها الدرامية القادمة التي ستكشف لنا بلا شك عن طبقات أخرى من هذا الكيان المعقد.

بين براءة “حنّني” وصخب “أم جدعان”، نحن أمام مشهدية درامية تعيد الاعتبار للممثل كقوة محركة للمعنى، لا مجرد مؤدٍ للنص، ونحن أمام نماذج لشخصيات مستقاة من الواقع ويُحسب لها ألف حساب.

بقلم: ميشال زريق