ما يزال الجدل مستمراً وكبيراً بشأن مسلسلات تلفزيونية عدّة تُعرض في شهر رمضان الحالي، وحملت أبعاداً بل رسائل سياسية مهمة، في هذا العام. وكان واضحاً حجم الانزعاج والغضب في أوساط سياسية إسرائيلية من المسلسل المصري “صحاب الأرض”، وقد علّقت المتحدثة العسكرية باسم الجيش الإسرائيلي عليه بانتقادات كبيرة، بينما ردّ عليها بسخرية مخرج المسلسل، بيتر ميمي، وأحد أبطاله الرئيسيين، الممثل الأردني إياد نصّار.
يعكس اهتمام الإسرائيليين إدراكهم الكبير خطورةَ الدراما والمسرح والفن والرواية في صناعة الوعي السياسي والفكري، بخاصة لدى الأجيال الجديدة. ولذلك شعروا بالتهديد والقلق من هذا المسلسل، الذي أحسن صانعوه أنهم وضعوا ترجمة له باللغة الإنكليزية، وركّزوا على الجانب الإنساني، الذي كان واضحاً وذكياً في السيناريوهات الحوارية في المسلسل، وكان هنالك عمل واضح ومحترف في أنسنة الحالة الفلسطينية، والابتعاد عن اللغة السطحية والخطابية أو الأيديولوجية في القصة والحبكة بصورة عامة، ولذلك نجح المسلسل في إحداث هذا الاهتمام والوعي.
تخيّلوا معي لو كان في رمضان الحالي عدد من المسلسلات الشبيهة، بالحبكة والقصة والإخراج والترويج نفسه، عن الإبادة في غزّة، كم حجم التأثير الذي سيُحدثه هذا، بخاصة إذا كانت هناك ترجمة وترويج عالمي، وهو أمر كان غائباً بصورة كبيرة جداً عن المشهد الفني والإنتاجي العالمي، إذ لطالما كانت الرواية الإسرائيلية المسيطرة والنافذة والمؤثرة في عديد من الأعمال الدرامية والإنتاجية الناجحة، حتّى التي تحتوي على انتقادات محدودة للمخابرات المركزية والموساد، مثل أرض الوطن Homeland، ومسلسل فوضى (الإسرائيلي) وغيرهما، إلّا أنّ قوة الرواية والرسالة الإسرائيلية- الصهيونية الثاوية خلفها لا تخفى عن الأنظار.
القدرة على صناعة الصورة والقصة إحدى أهم معالم القوة في عالم اليوم. ومثل هذا المسلسل، وإن كان مرتبطاً برمضان وبالإنتاج المحلي المصري بصورة كبيرة، فإنّ تأثيره، على الأقل عربياً ومصرياً، مهم في صناعة وتأطير حالة من الوعي الإنساني والسياسي لدى المواطنين العرب، وما نطمح إليه لاحقاً أن يتحوّل ذلك نحو إنتاج عالمي منافس، بخاصة أنّ استطلاعات رأي أُنجزت أخيراً (استطلاع غالوب؛ 41% من الأميركيين يتعاطفون مع الفلسطينيين، مقابل 36% مع الإسرائيليين) في الولايات المتحدة أظهرت للمرّة الأولى تحوّلاً في تعاطف الرأي العام لصالح الفلسطينيين على حساب إسرائيل.
على الطرف المقابل، سيكون من المحزن جداً توقف مسلسل “قيصر: لا مكان ولا زمان”، كما تذكر تقارير إعلامية عديدة، والسبب الأغرب ادّعاء أنّ أحد الحوارات أساء لعبد الباسط الساروت (أحد القيادات المهمة في الثورة السورية)، وكان واضحاً من السياق أنّ ذلك ليس مقصوداً، إنما مرتبط بالحوار وموقف النظام السوري السابق.
ما نأمله فعلاً إكمال عرض المسلسل؛ فهو يمثل نقطة تحول نوعية في الدراما العربية، بخاصة أنه يتزامن مع مسلسل آخر كبير وجميل “الخروج إلى البئر”، كتبه السيناريست المبدع سامر رضوان. ويُعتبر المسلسلان نقطة تحوّل مهمة؛ لأنّهما كما حدث مع “صحاب الأرض” يعيدان بناء المفاهيم وتصحيحها، فلا يركنان إلى الصورة المستهلكة المعلّبة السخيفة عن “التيار الإسلامي”، وتمرّس في تقديمها عدد من الفنانين والكتّاب العرب، إنما يبحثان بصورة أعمق، بخاصة عند تناول الثورة السورية.
نجد ذلك في صورة “أبي فراس السوري” (أدّاها جمال سليمان)، وهو ضابط متقاعد من الجيش السوري، ذهب إلى العراق في لحظة تاريخية تراجيدية تلبية لنداء القومية والدين والوطن، وهنالك تشابكت تجربته مع بروز الجماعات الجهادية، وهو نموذج يعكس حجم التعقيد في الظروف السياسية والتاريخية في العالم العربي، التي تُحدث تحولات كبيرة بسبب السياقات المحيطة. وكذلك الحال، نجد الرؤية الجديدة في صورة الضابط الطيار السوري المنشق (في مسلسل قيصر: لا مكان ولا زمان)، الذي يرفض ضرب الناس بالبراميل الكيماوية، ويصبح لاحقاً أحد قادة المجموعات الإسلامية المسلّحة في الغوطة.
المفارقة أنّ هذه الدراما تأتي في لحظة شيطنة وتشويه كبيرة تمارسها إدارة ترامب ضد أي حركة إسلامية بدعم صهيوني عالمي، بينما لا نقول إنّ الإسلاميين عموماً ملائكة، فهنالك جماعات وحركات خطيرة وأعمالها سبّبت ضرراً كبيراً، لكن المقصود فهم الظاهرة الحركية الإسلامية ضمن السياقات التاريخية والسياسية أولاً، وعدم شيطنة الجميع ثانياً، والانتباه إلى الحركات الأكثر خطورة اليوم في المنطقة، والمقصود هم المتطرفون الصهاينة ثالثاً.
