تواجه إيران واحدة من أكثر لحظاتها حساسية منذ تأسيس “الجمهورية الإسلامية” في عام 1979، عقب اغتيال المرشد علي خامنئي، في ظل حرب مفتوحة وضربات تستهدف قيادات ومؤسسات الدولة، وبينما تؤكد طهران أن عملية اختيار خليفة خامنئي ستتم وفق الآليات الدستورية عبر مجلس مؤقت للقيادة، تزداد التساؤلات بشأن قدرة النظام على إدارة انتقال سلس للسلطة وسط تصعيد عسكري وضغوط داخلية وخارجية.

وتتصدر ثلاثة أسماء المشهد السياسي في إيران،  بعدما إعلان تشكيل مجلس القيادة الجديد لتسيير شؤون البلاد بعد اغتيال خامنئي.

ويضم مجلس القيادة الإيراني الجديد، الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني أجئي، وعضو “مجلس صيانة الدستور” علي رضا أعرافي.

ويمثل كل واحد من هؤلاء، مساراً مختلفاً في بنية النظام الإيراني، من العمل التنفيذي والتشريعي، إلى إدارة الجهاز القضائي، وصولاً إلى المؤسسة الدينية الرقابية وهيئاتها العليا.

ويرى متابعون أن مرحلة ما بعد خامنئي تمثل لحظة مفصلية في تاريخ الجمهورية الإيرانية، مع غموض يلف هوية الخليفة المقبل واحتمالات اتساع نفوذ الحرس الثوري في رسم ملامح المرحلة المقبلة، خاصة في ظل مساعي الولايات المتحدة لتغيير النظام السياسي في طهران.

ويحاول النظام الإيراني، التأكيد على أنه رغم خسارة خامنئي، سيظل هناك “مسار قانوني واضح” للمضي قدماً، إلا أن أي خطط وضعها النظام تواجه اختباراً صعباً في ظل القصف الأميركي والإسرائيلي المتواصل الذي يستهدف مؤسسات الدولة وكبار السياسيين والعسكريين المشاركين في إدارة المرحلة الانتقالية.

وكان ضمان انتقال سلس للسلطة في إيران، موضوعاً محورياً في السنوات الأخيرة من حكم خامنئي، واكتسب أهمية إضافية خلال حرب الأيام الاثني عشر مع إسرائيل في يونيو الماضي، بعد أن هدّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو آنذاك، باغتيال رجل الدين البالغ من العمر 86 عاماً.

وتقع مهمة اختيار المرشد الجديد، الذي يجب أن يكون رجل دين بارزاً موالياً للنظام، على عاتق مجلس خبراء القيادة، وهو هيئة مكوّنة من 88 من رجال الدين. لكن من غير الواضح كيف يمكنهم الاجتماع في ظل استمرار حملة القصف المكثفة.

نفوذ الحرس الثوري

يتميّز النظام السياسي الإيراني بصراعات معقدة وغالباً ما تكون غير شفافة بين النخب، لا سيما حول مسألة الخلافة ومسار الجمهورية داخلياً وخارجياً.

ورغم تعقيد توازن القوى، يُعد الحرس الثوري القوة المهيمنة، إذ يمتد نفوذه إلى ما هو أبعد من الشؤون العسكرية ليشمل الاقتصاد والسياسة الداخلية.

وكان العديد من المحللين الإيرانيين قد أشاروا سابقاً إلى أن الحرس الثوري سيؤثر بقوة في عملية الخلافة، أو حتى أن شخصية قد تبرز من صفوفه لتصبح صاحب القرار الفعلي في البلاد.

ومع ذلك، لا يوجد مرشحون بارزون وواضحون لمنصب المرشد الأعلى في إيران. إذ كان الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي، المقرّب من خامنئي، يُعد مرشحاً رئيسياً، لكنه لقي حتفه في حادث تحطم طائرة مروحية في عام 2024.

كما كان نجل خامنئي، مجتبى، يُنظر إليه كمنافس بارز، لكن من غير المعروف ما إذا كان لا يزال على قيد الحياة بعد قصف مجمع المرشد صباح السبت. ولم تصدر وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية أي بيانات بشأن وضعه، فيما لقيت زوجته حتفها في الهجوم.

وفي الأثناء، قد يلعب علي لاريجاني، المفاوض النووي السابق الذي عاد إلى الواجهة كمستشار بارز لخامنئي بعد حرب يونيو 2025، ومحمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان والمقرّب من الحرس الثوري، أدواراً أكثر بروزاً.

وكان لاريجاني وقاليباف من أوائل كبار المسؤولين الذين أدانوا اغتيال خامنئي وتعهدوا بالانتقام. فيما تتصدر ثلاثة أسماء أخرى المشهد السياسي في إيران، وهي الرئيس الحالي مسعود بيزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، ورجل الدين البارز علي رضا أعرافي.

مسعود بيزشكيان 

تولى مسعود بيزشكيان رئاسة إيران في عام 2024 في مرحلة شديدة الحساسية داخلياً وإقليمياً، بعد فوزه في جولة الإعادة بدعم من الإصلاحيين ومحافظين معتدلين إلى جانب قواعد انتخابية من الأقليات العرقية. وفاز بيزشكيان أمام المرشح المحافظ المتشدد سعيد جليلي المفاوض السابق في الملف النووي.

وكان بيزشكيان قد نجا من قصف إسرائيلي خلال حرب يونيو 2025، استهدف مبنى كان يترأس فيه اجتماعاً للمجلس الأعلى للأمن القومي. وخلال اليومين الأولين من هذه الحرب، لقي عدد من كبار المسؤولين، بينهم قائد الحرس الثوري، ووزير الدفاع، ورئيس هيئة الأركان، ورئيس مجلس الدفاع.

وعلى الرغم من أن بيزشكيان لا يبدي اعتراضاً على الحكم الديني في إيران، إلا أنه تعهد باتباع نهج مختلف، متنقداً تصرفات شرطة الأخلاق، التي تفرض قواعد “غير أخلاقية” صارمة على النساء.

وعلى الصعيد الخارجي، أيد بيزشكيان استمرار النهج القائم على مقاومة الضغوط الأميركية، مع التأكيد على أن واشنطن تمثل سبباً رئيسياً للتوترات في المنطقة، في الوقت الذي شدد فيه على أهمية تعزيز العلاقات مع روسيا والدول التي تواجه عقوبات غربية. كما أبدى دعماً للعودة إلى مسار الاتفاق النووي، مع الحفاظ على ثوابت النظام السياسي وعدم تجاوز صلاحيات المرشد.

واتسمت رئاسته بمحاولة تحقيق توازن بين خطاب إصلاحي داخلي والحفاظ على الخطوط الحمراء للمؤسسة الحاكمة، في ظل بيئة سياسية معقدة وتحديات أمنية واقتصادية متشابكة.

وخلال جلسات البرلمان كان دائماً ما يرد على زملائه الذين كانوا يهتفون بالموت لبعض الدول بالقول: “نحن بحاجة إلى التسامح مع الآخرين والعمل والتعاون مع العالم”.

وحصل بيزشكيان، الذي ينتمي إلى الأقلية العرقية الآذرية، خلال انتخابات الرئاسة في عام 2024 على دعم من الإصلاحيين والمحافظين المعتدلين والأقليات العرقية، قبل أن يفوز في الجولة الثانية من الانتخابات بنسبة تجاوزت 50% من الأصوات.

غلام حسين محسني إيجئي

عضو مجلس القيادة الجديد غلام حسين محسني إيجئي هو شخصية بارزة في النظام السياسي والقضائي في إيران، يشغل حالياً منصب رئيس السلطة القضائية منذ الأول من يوليو 2021 بعد أن عينه المرشد السابق علي خامنئي في المنصب، خلفاً للرئيس السابق إبراهيم رئيسي.

وُلد غلام حسين في عام 1956 في محافظة أصفهان، وتلقى تعليمه الديني في الحوزة العلمية بمدينة قم، حيث درس العلوم الدينية وتدرّج في المناصب القضائية بعد قيام الثورة عام 1979، بحسب ما أوردته وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية “إرنا”.

بدأ إيجئي مسيرته المهنية داخل الجهاز القضائي والأمني في السنوات الأولى للجمهورية الإسلامية في إيران، وشغل مناصب قضائية في مدن عدة قبل انتقاله إلى مواقع مركزية في العاصمة طهران. ووفق الموقع الرسمي للسلطة القضائية الإيرانية، تولى منصب المدعي العام الخاص لرجال الدين، ثم عُيّن لاحقاً في مواقع قيادية داخل القضاء.

بين عامي 2005 و2009 شغل منصب وزير الاستخبارات في حكومة الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، في مرحلة اتسمت بتوترات سياسية داخلية واسعة. وبعد خروجه من الوزارة، عاد إلى الجهاز القضائي ليشغل منصب المدعي العام للبلاد، ثم النائب الأول لرئيس السلطة القضائية.

في يوليو 2021، عيّنه المرشد الإيراني السابق، رئيساً للسلطة القضائية خلفاً لإبراهيم رئيسي، في قرار نُشر عبر الموقع الرسمي للمرشد، الذي أشار إلى تكليفه بمواصلة “خطة التحول في القضاء، وتعزيز مكافحة الفساد”.

على المستوى الدولي، أدرجت الولايات المتحدة اسمه ضمن قائمة عقوبات عام 2010 بموجب الأمر التنفيذي 13553، الذي استهدف مسؤولين إيرانيين على خلفية ما وصفته واشنطن بـ”انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان” بعد احتجاجات 2009.

كما أشار تقرير صادر عن وزارة الخارجية الأميركية في حينه، إلى أن العقوبات استهدفت مسؤولين إيرانيين بسبب دورهم في التعامل مع الاحتجاجات التي أعقبت الانتخابات الرئاسية.

خلال احتجاجات 2022–2023، أعلن غلام حسين، قرارات عفو أو تخفيف أحكام شملت عدداً من المحتجزين على خلفية تلك الأحداث، في إطار معالجة قضائية رسمية للأزمة.

يُنظر إلى محسني إيجئي داخل إيران بوصفه أحد رجال المؤسسة المحافظين الذين تدرّجوا في مواقع أمنية وقضائية حساسة، بينما تتناول مصادر أميركية اسمه في سياق ملفات العقوبات وحقوق الإنسان. ويجعل موقعه على رأس السلطة القضائية منه أحد أبرز الفاعلين في إدارة القضايا السياسية والأمنية والقضائية في البلاد.

علي رضا أعرافي

عضو مجلس القيادة الذي عين، صباح الأحد، علي رضا أعرافي، وُلد في عام 1959 في منطقة ميبد بمحافظة يزد، ونشأ في بيئةٍ دينية؛ وهو نجلُ رجل الدين محمد إبراهيم أعرافي.

بدأ أعرافي مساره العلمي في الحوزة، ثم برز تدريجياً داخل المؤسسات الدينية في قم، مع نشاط في التدريس وارتباطٍ بـ”مجتمع مدرّسي حوزة قم”، وهي مؤسسة دينية سياسية بارزة تأسست عام 1961م في إيران، تضم كبار العلماء والأساتذة لتنظيم الأنشطة السياسية.

وعُيّن أعرافي في عام 1992، إماماً لصلاة الجمعة في منطقة ميبد، بقرار من المرشد الراحل خامنئي.

محطةٌ مفصلية في صعود أعرافي جاءت في عام 2019، عندما أصدر خامنئي قراراً بتعيينه عضواً في مجلس صيانة الدستور الذي يتولى مراجعة القوانين التي يقرّها مجلس الشورى (البرلمان) للتأكد من مطابقتها للدستور، كما يشرف على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، ويبتّ في أهلية المرشحين للمناصب المنتخبة، ما يمنحه دوراً محورياً في الحياة السياسية الإيرانية.

وإلى جانب عضويته في مجلس صيانة الدستور، انتُخب في مارس 2022 عضواً في مجلس خبراء القيادة، وهو الهيئة التي تأسست وفق الدستور لاختيار المرشد، وهو ما يعزز من مكانته داخل هرم السلطة في إيران.

على خط مواز، ارتبط اسم أعرافي على نحو لافت بملف “جامعة المصطفى العالمية” في قم، والتي يُنظر إليها في إيران كمنصة تعليم ديني دولية. ففي ديسمبر 2020، نقلت وكالة “مهر” الإيرانية عن أعرافي، بوصفه “رئيس الحوزات العلمية” و”رئيس مجلس” الجامعة، إدانته للعقوبات الأميركية على الجامعة واعتباره إياها “خطوة مخزية” في سياق سياسة “الضغط الأقصى”.

وأعلنت وزارة الخزانة الأميركية في 8 ديسمبر 2020 إدراج الجامعة ضمن إجراءات مكتب مراقبة الأصول الأجنبية OFAC، وقالت إن الجامعة “تُستخدم كمنصة تجنيد” وتسهّل “عمليات” مرتبطة بـ”فيلق القدس” في الحرس الثوري، مع إشارةٍ إلى شبكة فروع دولية.