
تثبت كارين رزق الله مرة جديدة أنها ليست مجرد كاتبة مبدعة، بل فنانة شاملة تمتلك حسًّا دراميًا عاليًا وبصمة خاصة في كل عمل تقدّمه. فبعد الضجة الكبيرة التي أحدثها مسلسل (المحافظة 15) لما يطرحه من ملفات حساسة تتعلق بحقبة الاحتلال السوري وملف المعتقلين اللبنانيين، انصبّ معظم الاهتمام على جرأة النص وأبعاده السياسية والتاريخية. غير أن هذا التركيز المكثّف على السيناريو لا يجب أن يحجب جانبًا أساسيًا من قيمة العمل، وهو أداء كارين رزق الله التمثيلي.
لقد عوّدتنا كارين على قدرة استثنائية في تجسيد الشخصيات المركّبة، حيث تنجح في نقل الانفعالات الداخلية بأدق تفاصيلها دون مبالغة أو افتعال.
أداؤها يتّسم بالصدق والعفوية، وهي تمتلك حضورًا طبيعيًا على الشاشة يجعل المشاهد يتماهى مع الشخصية ويشعر بواقعيتها.
في (المحافظة 15) لم تكن مجرّد كاتبة تدافع عن نصّها من خلال الأداء، بل ممثلة تعيش الشخصية بكل تناقضاتها وهواجسها، وتنقل ألم المرحلة ووطأتها النفسية بعمق إنساني لافت.
تتميّز كارين رزق الله بقدرتها على الموازنة بين القوة والهشاشة في آنٍ واحد فتجعل الشخصية نابضة بالحياة، بعيدة عن النمطية أو الخطابية. كما أن خبرتها الطويلة في الكتابة تمنحها فهمًا أعمق لبنية المشهد وإيقاعه ما ينعكس إيجابًا على أدائها إذ تدرك متى تصمت ومتى تنفجر عاطفيًا ومتى تترك للمشهد أن يتكلم عنها.
من الظلم، إذًا، أن يُختصر الحديث عنها في كونها كاتبة جريئة كسرت الصمت حول مرحلة حساسة من تاريخ لبنان فهي أيضًا من أبرز الممثلات اللبنانيات اللواتي أثبتن حضورهنّ عبر سنوات من العمل المتقن والمتنوع. وإن كان (المحافظة 15، قد أعاد تسليط الضوء على شجاعتها في الطرح، فإنه كذلك جدّد التأكيد على موهبتها التمثيلية التي تستحق التقدير بالقدر نفسه.
إن الإنصاف يقتضي أن نرى الصورة كاملة، كارين رزق الله ليست قلمًا جريئًا فحسب، بل وجهًا تمثيليًا راسخًا في الدراما اللبنانية، وصوتًا فنيًا يعرف كيف يحوّل الألم إلى أداءٍ صادق يلامس الوجدان.
سارة العسراوي
