
يرى كثيرون أن رواية «الناقوس الزجاجي»، عبر بطلتها «إستير»، ليست سوى مرآة لعالم سيلفيا بلاث الشخصي، مع بعض التغيير في الأحداث وإعادة تأويلها وفق خيال الكاتبة ومزاجها الحاد. ويبدو هذا الرأي وجيها؛ فثمّة تشابهات واضحة بينهما: كلتاهما وُلدت في بيت متواضع، وتميزتا بتفوق دراسي لافت. وكما تبدأ الرواية بحصول إستير على منحة تدريب في مجلة مرموقة، نالت بلاث منحة مشابهة في مجلة «مدموازيل». ثم تتقاطع المسارات أكثر عند الهشاشة النفسية والاكتئاب الحاد والعزلة ومحاولات الانتحار المتهورة؛ تلك التي تنتهي في الرواية بـنجاة مؤقتة، بينما انتهت في الواقع إلى خاتمة أشد قسوة، حين لم تفلح الكاتبة في الإفلات من حياتها المؤرقة.
«كنت خاوية، ساكنة، دونما حراك، مثلما يتوجب على عين الإعصار أن تشعر به، وهي تتقدم ببطء، وسط الجلبة التي تطوقها».
تتقدم الرواية بخطي متقطعة، البطلة فتاة ناجحة؛ على ما يبدو أن أحلامها الرائعة تتحقق، تخرج مع صديقتها «دورين»، التي هي على عكسها تماما في كل شيء، تكتشف بعد قليل أن البداية مخالفة لمقصد الكاتبة تماما، التي تفاجئنا بحقيقة البطلة المناقضة، لظهورها الأول الفاتن، كانت «بلاث» تبني مسرح الأحداث ببطء متعمد، ثم رفعت الستار فجأة؛ وكأنها تثبت لنا أننا يجب علينا أن لا نثق بالبدايات، فكل ابتسامة في عالمها ما هو إلا بداية للانهيار، وكل نجاح هو تمهيد لسقوط البطلة المدوي في جب لن يمد أحد يديه لالتقاطها منه. «شعرتُ كما لو أنني أتضاءل إلى نقطة صغيرة سوداء على البسط الحمر والبيضاء وألواح الصنوبر تلك، شعرتُ كما لو أنني مجرد ثقب في الأرض».
تتحرك الشخصيات حول «إستير» كظلال باهتة، وكأن عين البطلة كاميرا ترصد ما ترغب رؤيته ويغيب عنها ما لا تحب أن تراه، سنجد الأم مجرد واعظ لابنتها، والأخ وكأنه لم يكن، هناك أيضا بادي -الحبيب- الذي لا يحبها حبا عاطفيا، بل يراها مجرد زوجة مناسبة، الأطباء الذين يعاملون إستير كفأر تجارب لنظرياتهم العقيمة، يظهرون تباعا، بداية من الدكتور غوردون، الذي فأجاها بجلسة كهرباء لم تكن في الحسبان، لم يحذرها، وشعورها بالأبدية بعد مرور الكهرباء بعقلها المصعوق، لقد أدخلتنا «بلاث» في عالم لا شعورها المؤرَق، عقل بطلتنا المؤدلج بعد كل جلسة تخونها ذائقتها الشعرية، وتحل محلها سحب ضبابية لا تنقشع إلا عن متاهات لا تنتهي من ضلالات وهلاوس. مرورا بالدكتورة نولان، التي هي على النقيض من الدكتور غوردون، من وجهة نظر البطلة، والتي وعدتها بأنها ستخبرها مسبقا قبل ميعاد الجلسة وبأنها ستكون معها دائما، وبالفعل شعورها بالشحنات الكهربية اختلف في وجود «نولان»، وكأن الألم وقعه يهون حين تتم مشاركته مع قلوب حانية.
«أصابني الصمت بالكآبة، لم يكن صمت الصمت. كان صمتي أنا. أدركتُ تماما أن السيارات كانت تحدث ضجيجا، وأن الناس الذين في داخلها، والذين خلف نوافذ البنايات المضاءة، يحدثون ضجيجا، وأن النهر كان يحدث ضجيجا أيضا، لكنني لم أسمع شيئا، كانت المدينة معلقة بنافذتي، منبسطة كملصق إعلاني».
تظهر بداية مرض «إستير» حينما سألتها مديرة المجلة عن أحلامها، وما تود أن تكونه، تصرف عقل البطلة باستقلالية عن صاحبته، كصفحة بيضاء، رددت دون أن تشعر بكلمة واحدة كلمة: لا شيء. بدأ القناع الذي تضعه على وجهها دائما أمام الآخرين في التصدع عندما تلفظت بتلك الجملة المقعرة. والتي قد تعني أن صاحبتها اتخذت موقفا ثوريا ضد العالم أجمع، أو أنها حقا تعني ما يسمعه النابه لأول وهلة، أن لا شيء يخطر ببالها. لا الآن، ولا قبلا، ولا مستقبلا بضرورة الحال. «غصتُ ثانية في المقعد الرمادي المخملي، وأغمضتُ عيني، طوقني هواء الناقوس الزجاجي، من كل جانب فلم أتحرك». يأتي المنعطف الأهم في الرواية وهو فقد «إستير» عذريتها مع حبيب عابر لمدة يوم في حياتها، وهو من أكثر اللحظات حساسية وجرأة في الرواية، والتي أظهرت رؤية البطل للعذرية كعبء، كقيد أكثر من كونها قيمة! لم يكن الفعل نابعا عن شهوة حقيقية، ولكن أساسه شعور تجربة كل شيء مع الإحساس بعدها باللاشيء وكأن الفعل مساوٍ للا-فعل.
«جوان؟ قلتُ بتردد ثم نطقت الاسم مرة أخرى، وقد انتابتني مشاعر الاضطراب وعدم التصديق.
تبسمت جوان، كاشفة عن أسنانها الكبيرة اللامعة الجلية.
-إنها أنا.. ظننتك ستتفاجئين»
تستمر الكاتبة في خداعنا المرة تلو الأخرى، فمن قرأ الرواية، اعتقد أن «إستير» هي «بلاث»، ولكنها صنعت لنفسها مسودة ميلودرامية، وسيطا سرديا.. راوغت الشاعرة القارئ ونفسها ذاتها، حتى لا يصل إلى هدفها الأساسي من الكتابة وهو، التجرد من ثوب الحياة الحريري استعدادا للرحيل تستبق نهاية حكايتها، فـ”بلاث” هي نفسها «جوان»، الصديقة اللدود لـ»إستير». فجوان هي الوحيدة التي نجحت في بلوغ النهاية التي ترغبها «بلاث»، والتي نفذتها في الحياة من دون مبالاة بأي شيء، وبذلك تتحول الرواية إلى تمثيل خفي لكل شيء ونقيضه، الحياة والموت، الكتابة والانطفاء، ففي كل مشهد نسمع فيه صوت إستير واضحا، نجد وراءه صمت جوان، صمت الكاتبة نفسها!
في نهاية الرواية، التي تركتها الكاتبة مفتوحة نجد «إستير» تترنح بين فكرة الخروج للحياة مرة أخرى، من دون ناقوسها الزجاجي، مع الأخذ في الاعتبار رجوعه في أي لحظة، وفكرة الخضوع للواقع وبأنها ستظل أسيرة لناقوسها طيلة عمرها بين جدران المصحة، وكأنها تقول إنه لا يوجد شفاء في المطلق ولا حب في المطلق ولا حياة أيضا في المطلق.
في النهاية لم تكتب الكاتبة روايتها لتعلن انتصارها على الاكتئاب، بل لتضع يدها عليه وتصف نصله البارد كالنهايات المفتوحة، في نصها الذي تستمد منه شجاعة الاعتراف بإثم الرغبة بالبقاء. نلتمس رغبة باهتة في هدنة مع الحياة نحكي لأنفسنا شهادتنا عن الحكاية، حتى إن كانت الكتابة نفسها تشبه كثيرا وصية خفية للكاتب قبل سرد أحداث موته علنا.
كاتبة مصرية
