“بريق الجبال البعيدة”: امرأة تروي تاريخاً تتأمّله (الملف الصحافي)
تواصل السينما اليابانية حضورها الجمالي المميّز، مع “بريق الجبال البعيدة” (2025) للمخرج كي إيشيكاوا (كاتب السيناريو أيضاً)، الذي قدّم معالجة سينمائية مهمّة، استعاد بها لحظات تاريخية لمرحلة مفصلية وفارقة في تاريخ اليابان، وتاريخ الحروب بمجملها، عقب التفجيرين النوويين لهيروشيما وناغازاكي. فيلم كأفلام أخرى تسعى إلى تفكيك آثار الكارثة النووية، تاريخياً وسياسياً، ومن زاوية انعكاساتها النفسية والاجتماعية على الأفراد والعائلات.
المقاربة سردية، ارتكزت على استحضار سلوك ما بعد الصدمة، بوصفه بنية مؤثّرة في تشكيل الذاكرتين الفردية والجماعية، مع تتبّع التحولات النفسية والسلوكية في عائلة ناجية من ناغازاكي، كشفت طبيعة الخوف المتوارث، وامتدادات الأثر النووي في البنية الأسرية، بما يُبرز هشاشة الذاكرة، وارتباطها الوثيق بالتجربة التاريخية العنيفة.
السيناريو مستلّ من رواية “بريق الجبال البعيدة” (1982)، لكازو إيشيغورو (نوبل الآداب، 2017)، باكورته الروائية، التي تناولت إشكالية الهوية والذاكرة، عبر قصة أمّ يابانية تهاجر إلى بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية، وتتزوج رجلاً إنكليزياً، ثم تجد نفسها في مواجهة أسئلة ابنتها عن ماضيها الملتبس، ما يفتح مجالاً أمام مساءلة العلاقة بين الذاكرة الشخصية والتاريخ الجماعي. والفيلم حافظ على الزخم والروح هذين، خصوصاً أن الكاتب اعتمد على سيرته الذاتية، أي إن الواقع والوقائع صحيحان.
في فيلمه السادس، المعروض أولاً في “نظرة ما” بالدورة الـ78 (13 ـ 24 مايو/ أيار 2025) لمهرجان كانّ، اعتمد إيشيكاوا على بنية سردية معقّدة وشديدة التركيب. ولعلّ هذا التعقيد أحد الأسباب التي جعلت مخرجين عديدين يحجمون عن الاقتراب من هذا النص الأدبي، رغم أن معظم أعمال إيشيغورو باتت أفلاماً. هذا التعقيد سببه تشابك زمنين تتحرك فيهما الأحداث: الأول يتمثّل بسنوات أعقبت الكارثة النووية، والثاني ممتد إلى ثمانينيات القرن الـ20، في مدينة بريطانية.
رغم أن بناء الفضاء الزمني الثاني بدا أقل تكلفة إنتاجية، لاعتماده على فضاءات محدودة، كبيت صغير وحديقة مشذّبة وشارع تصطف على جانبيه الأشجار، تطلّب الأول جهداً بصرياً وإنتاجياً أكبر، لإعادة تشكيل المدن والجسور والمحلات والقطارات، وتوظيف عدد كبير من الممثلين والكومبارس والشخصيات الثانوية. مع ذلك، خاض إيشيكاوا هذه المغامرة الفنية بقدر عالٍ من الحِرفية، فنجح في تجسيد المعطيات التاريخية المرتبطة بكل زمن، وهذا رهان كسبه بامتياز، إذ أسهم التوازن في تسهيل تلقّي الفيلم، ومنح المُشاهد قدرة أكبر على التواصل مع موضوعه، واستيعاب بُعديه، الإنساني والسردي.
منح المونتاج (أشرف المخرج عليه) بُعداً جمالياً مهماً، بالموازنة الزمنية، ما وسّع آفاق الفهم، وقدّم أداة إضافية لتوليد المعاني الجديدة. جاء القطع والتنقّل بين زمنين ومشهدين في لحظات دقيقة ومدروسة، بصرياً وموضوعياً، ما خلق انسجاماً سردياً، جاعلاً من التلاعب الإبداعي لغة بصرية وحسية شديدة الدقّة والتماسك. كذلك أسهمت الموسيقى التراثية، رغم حضورها المحدود، في أداء وظيفة تواصلية مؤثّرة، فساعدت على تثبيت مناخات التأمّل. انفتح الفيلم، المعروض في الدورة الثامنة (16 ـ 24 أكتوبر/ تشرين الأول 2025) لمهرجان الجونة، على أسئلة الوجود، ووظيفة الإنسان، والخراب الذي ينسجه بيديه، إلى جانب ثنائيات الحلم والكوابيس، والعلاقات الأسرية، والتحولات التي فرضتها الحرب وما بعدها، فضلاً عن قضايا المجايلة وإعادة بناء الفهم والتجديد. حضرت هذه العناصر أحياناً بوصفها إشارات عابرة، وأحياناً أخرى كمرتكزات سردية وفكرية واضحة.
لكن الأهم يتمثل بالكيفية الجمالية والمسؤولة التي تعامل بها المخرج مع هذه القضايا، ما يؤكد أن لإيشيكاوا رؤية إنسانية وجمالية متكاملة، تجلّت الأولى في مقاربته النفس البشرية في مواجهتها المآسي، وتجسّدت الثانية في اعتماده على الهدوء والتأمل والحزن والشعرية، بوصفها أدوات أساسية في بناء لغته السينمائية، وترسيخ خصوصيتها.
لم يكن لهذه القيم الجمالية أن تحقق بُعدها الفني الشامل لو جاءت اختيارات التمثيل أقل انسجاماً مع رؤية الفيلم. في هذا السياق، قدّمت يوكو تانكا أداءً لافتاً ومفصلياً في شخصية إيتسوكو، المرأة التي تتألم بصمت، وتتشبّث بماضيها رغم قسوته، بينما تتطلع إلى المستقبل بحذر، وتعيش حاضرها وفق إرثها الثقافي، وتجاربها المرتبطة بذاكرة الحرب. كذلك استطاعت نقل التحولات الانفعالية للشخصية بقدر عالٍ من الحساسية والاتزان، معتمدة على أداء داخلي هادئ، يستند إلى الإيماءة والنظرة أكثر من التعبير المباشر، وهذا منح الشخصية عمقاً إنسانياً واضحاً، وجعلها تعكس مساراتها النفسية والوجودية باقتدار، بما يتماشى مع الروح التأملية للفيلم.
بذلك، يغدو “بريق الجبال البعيدة” تجربة سينمائية عالية الحساسية الجمالية والإنسانية، أكّد إيشيكاوا بفضلها موهبته في صياغة أسلوب بصري ـ سردي، يتماهى مع طبيعة الموضوع وروحه التأملية، ما منح العمل خصوصيته الفنية، وكرّس هويته التعبيرية.
