حين تأجلت رحلتي من مكة إلى دبي، لم أشعر أنني تأجلت. نظرت إلى الشاشة، ثم رفعت عيني نحو الحرم. هنا تتقلص الأخبار أمام عظمة المعنى. بعض التأجيلات لا تعطل خططك.. بل تعيد ترتيب قلبك.

جلست مساءً على درج مطلّ على الساحة الخارجية للمسجد أتناول وجبة سريعة. اقترب رجل أمن. توقعت تنبيهاً، فإذا بابتسامة تقول: «إماراتي؟ الله يحييك.. كمل أكلك، وطمني على أهلك». لم تكن جملة عابرة، بل اختصار علاقة كاملة: لا مكان للغربة هنا.

بعدها بساعات، اتصلت بي ابنتي الصغيرة، سبع سنوات من البراءة، تسأل: «بابا.. في مسجد جنب بيتنا، ليش سافرت عشان تصلي؟»، صمتُّ قليلاً. لم أقل لها إن بعض الأماكن تصلي في قلبك قبل أن تصلي أنت فيها، وإن بعض الرحلات ليست انتقالاً.. بل عودة إلى نفسك.

ثم بدأ سيل الطمأنينة. صديق من المملكة يتصل للاطمئنان، وبعده ثلاث جهات سعودية، وكل جهة تكرر العبارة نفسها: «أنت ضيفنا شخصياً». طُلب اسم الفندق، رُتبت الإقامة، وعُرضت جولات ثقافية من مجمع حراء مروراً بمتحف السيرة النبوية وصولاً إلى مصنع كسوة الكعبة. لم أشعر أنني أُدار في ظرف طارئ، بل أنني أُستقبل في بيتٍ ثانٍ.

وفي الجهة الأخرى، كانت سفارة الإمارات تتابع بهدوء المعتادين على المسؤولية. اتصالات متواصلة، ترتيبات دقيقة، وحرص على أن يعود كل من يرغب إلى بيته سالماً. أن تجد خلفك دولة، وأمامك دولة أخرى، وكلتاهما تتعامل معك بثقة هادئة.. يكفي ليبدد أي قلق.

تذكرت الزوار الذين علقوا في الإمارات، وانبهارهم بالرعاية حتى وصولهم إلى وجهتهم الأخيرة، والمقيمين الذين قالوا بصدق إن بقاءهم هنا اختيار حب لا اضطرار. في الخليج، الكرم ليس حدثاً عابراً.. بل أسلوب حياة.

لذلك تبدو مناكفات «السوشيال ميديا» أصغر من أن تُرى من هذا المكان.

أنا لست عالقاً في مكة.. بل مطمئن.

وسنعود بإذن الله..

فحين تفتح لك دولتان بابهما،

تعرف أن الجغرافيا قد تصنع الجوار..

لكن القلوب هي التي تصنع الوطن.

لقراءة مقالات سابقة للكاتب، يرجى النقر على اسمه

مسؤولية ما ينشر في مقالات الرأي تقع على الكاتب وحده، ولا تتحمل الصحيفة مسؤولية الآراء الواردة فيها.

 

Share

فيسبوك
تويتر
لينكدين
Pin Interest
Whats App