سارا القرني

في زمن أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي بوابةً للشهرة السريعة، لم يعد الوصول إلى الأضواء حكراً على أصحاب الموهبة والخبرة، بل بات عدد المتابعين معياراً يفتح أبواباً لم تكن تُفتح إلا بعد سنوات من الاجتهاد والتدرّب. غير أن الشهرة شيء، والتمثيل شيء آخر تماماً.

ليس كل مشهور في السوشِل ميديا يصلح أن يكون بطلاً في عملٍ درامي أو سينمائي، وليس لأن بعض الأسماء نجحت في الانتقال من الشاشة الصغيرة إلى شاشة التلفاز أو السينما يعني أن الطريق مفروش للجميع بالنتيجة ذاتها. فالتمثيل ليس مجرد حفظٍ للنصوص وترديدٍ للحوار، بل هو قدرة على تجسيد الشخصية بروحها وتفاصيلها، وإحياء الكلمات حتى تتحول إلى مشاعر تُرى وتُحس.

الممثل الحقيقي لا يؤدي الدور فحسب، بل يعيشه. تتحرك ملامحه قبل كلماته، وتتكلم عيناه قبل صوته، وتنساب حركات جسده منسجمة مع انفعالاته. إنه اندماج صادق مع النص، يجعل المشاهد ينسى أنه أمام كاميرا، ويصدق أن ما يراه واقعٌ نابض بالحياة. وهذه المهارة لا تُكتسب بعدد المتابعين، ولا تُقاس بعدد الإعجابات، بل تُصقل بالتجربة، والدراسة، والاحتكاك، والتدريب الطويل.

وحين يُمنح دور البطولة لشخص يفتقر إلى أدوات التمثيل الحقيقية، يسقط العمل تحت حوافر النقد، لأن النقاد يرون ما قد لا يلتفت إليه الجمهور في الوهلة الأولى. يرون الارتباك في الوقفة، والبرود في ردة الفعل، والانفصال بين الحوار والإحساس. قد يكون النص قوياً، والفكرة عميقة، والإخراج متقناً، لكن الأداء الضعيف قادر على أن يحوّل العمل إلى تجربة باهتة، لا تصل إلى مستواها الحقيقي.

إن بعض الأحداث في المسلسلات والأفلام تحتاج إلى انفعالات صادقة وردّات فعل قوية، تحتاج إلى صرخة تخرج من الأعماق، أو دمعة تولد من وجعٍ حقيقي، لا إلى تعابير جامدة وأداء بارد يمرّ مروراً عابراً. فالمشاهد من حقه أن يستمتع بما يشاهده، وأن يعيش اللحظة بكل تفاصيلها، لا أن يشعر بالانفصال أو الملل أو حتى الضيق.

ولعلّ المشكلة الأعمق تكمن في تغليب العلاقات والواسطات على حساب الموهبة. حين يُختار الممثل بناءً على شهرته الرقمية أو شبكة معارفه، يُهمَّش أصحاب الكفاءة الذين أفنوا أعمارهم في دراسة الفن واحترامه. وهنا يخسر العمل، ويخسر المشاهد، ويخسر الفن نفسه.

إن الفن مسؤولية، والبطولة مسؤولية أكبر. لا يكفي أن يحبك الملايين لتقود عملاً درامياً إلى القمة، بل يجب أن تمتلك الأدوات التي ترتقي به. فالنجومية الحقيقية لا تُقاس بعدد المتابعين، بل بقدرة الفنان على أن يترك أثراً صادقاً في قلوب من يشاهدونه.

ومن أجل دراما أكثر نضجاً وصدقاً، لا بد أن نعيد الاعتبار للموهبة أولاً، وأن نمنح الفرصة لمن يستحقها حقاً، لأن احترام ذائقة المشاهد هو الخطوة الأولى لاحترام الفن ذاته.