الخميس 05 مارس 2026 4:05 صباحًا –
بتوقيت القدس

لم يتوقف النظام المصري عن استغلال كافة المنصات المتاحة، وخاصة الموسم الدرامي الرمضاني، لتسويق روايته السياسية وتلميع صورته أمام الرأي العام. وتحول ‘سوق عكاظ’ المسلسلات إلى ساحة لبث رسائل موجهة تهدف إلى القضاء معنوياً على الخصوم السياسيين وتكريس شرعية النظام عبر قصص بطولية مصاغة بعناية.
تأتي هذه التحركات الإعلامية في وقت يعاني فيه الشارع المصري من أزمات اقتصادية خانقة، مما يجعل الفجوة تتسع بين ما يعرضه التلفزيون من ‘إنجازات’ وبين الواقع المرير. ويرى مراقبون أن الإمكانيات المادية الهائلة التي تُضخ في هذه الأعمال تسيء للنظام أكثر مما تخدمه بسبب ضعف المحتوى الدرامي المباشر.
بدأت ملامح هذه الخطة الدرامية بوضوح مع إنتاج الجزء الأول من مسلسل ‘الاختيار’ عام 2020، والذي جسد فيه الفنان أمير كرارة دور الضابط ‘أحمد منسي’. ورغم الجدل الذي أثاره العمل، إلا أنه كان حجر الزاوية في استراتيجية غسل السمعة وتوثيق الرواية الرسمية لأحداث ما بعد عام 2013.
لم يتردد عبد الفتاح السيسي في إعلان دعمه المباشر لهذه الأعمال، بل وصل الأمر إلى التدخل في اختيار الممثلين، كما حدث في الجزء الثالث من ‘الاختيار’. حيث وقع الاختيار على الفنان ياسر جلال لتجسيد شخصية السيسي، في خطوة اعتبرها نقاد تحولاً للعمل من الدراما إلى الكوميديا السوداء.
فرضت الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، الذراع الفني للنظام، سيطرة شبه كاملة على الفضاء الدرامي، مما أجبر كبار النجوم على الانخراط فيما يسمى ‘الواجب الوطني’. وشمل ذلك أسماء بارزة مثل كريم عبد العزيز وأحمد السقا، وحتى الفنانين المعروفين بالابتعاد عن السياسة مثل أحمد مكي.
تعرضت هذه الاستراتيجية لهزات عنيفة في عام 2021، عقب فشل مسلسل ‘نسل الأغراب’ الذي أدى لإقالات واسعة داخل الشركة المتحدة. وأرجعت مصادر هذا التخبط إلى الغضب من عدم قدرة الأعمال ‘الوطنية’ على تحقيق الغايات المطلوبة في التأثير على الوعي الشعبي المتشكك.
استمر الإنتاج الرسمي تحت مسميات مختلفة مثل ‘العائدون’ و’حرب’، وصولاً إلى محاولات ‘تجديد الخطاب الديني’ عبر أعمال مثل ‘الحشاشين’ و’الإمام الشافعي’. وجاءت هذه الخطوات بتوجيهات مباشرة تهدف إلى ربط التطرف الديني بجماعات سياسية معينة وفق الرؤية الأمنية السائدة.
الميزانيات الفلكية التي تُصرف لتجميل وجه مشوه باتت أشبه ببرامج التفاهة التي لا تلامس واقع المواطن المقهور.
في الموسم الحالي، عاد النظام لاستخدام ‘الوصفة القديمة’ عبر مسلسل ‘رأس الأفعى’ من بطولة أمير كرارة، بعد فشل الأخير في أدوار اجتماعية بعيدة عن البدلة العسكرية. ويركز العمل الجديد على شخصية القيادي الإخواني محمود عزت، محاولاً تحميله مسؤولية كافة الأزمات الحالية والمستقبلية.
يفتقر مسلسل ‘رأس الأفعى’ بحسب نقاد إلى الحبكة الدرامية الرصينة، حيث يعتمد على سلسلة من المطاردات التي تنتهي دائماً بانتصار الأجهزة الأمنية. ويتم تصوير الشخصيات المعارضة في قالب شرير مطلق، متجاهلاً أي سياق تاريخي أو أكاديمي موثق لتلك الشخصيات.
المثير للتساؤل هو إصرار الرواية الرسمية على تحميل المعتقلين والمنفيين مسؤولية الفشل الاقتصادي الحالي، رغم غيابهم التام عن المشهد. فبينما يغرق المواطن في الديون وتتراجع قيمة العملة، تستمر الدراما في البحث عن ‘شماعة’ خارجية لتبرير الأزمات الداخلية المتلاحقة.
تطرح هذه الأعمال تساؤلات جوهرية حول الجدوى من إنفاق ميزانيات فلكية على محتوى ينفر منه المتلقي بسبب مبالغاته الفجة. فالمواطن الذي يبحث عن لقمة عيشه لم يعد يجد في هذه البطولات الخارقة ما يشفي غليله أو يفسر له أسباب تدهور وضعه المعيشي.
أصبحت هذه المسلسلات في نظر قطاع واسع من الجمهور أشبه ببرامج الترفيه السطحية التي تهدف فقط لشغل الفراغ دون تقديم قيمة حقيقية. وبدلاً من أن تكون الدراما مرآة للمجتمع، تحولت إلى أداة لتجميل واقع يراه الجميع مشوهاً وغير قابل للتعديل بالوسائل الفنية وحدها.
إن سياسة ‘ترويض الوعي’ عبر الشاشة أثبتت فشلها مع تكرار نفس الأنماط والشخصيات في كل عام دون تجديد حقيقي. ويظل السؤال قائماً حول من سيحاسب على إهدار هذه الأموال العامة في إنتاجات لا تخدم سوى الأجندة السياسية الضيقة على حساب الفن والإبداع.
ختاماً، يبقى الرهان على وعي المواطن المصري الذي بات يميز بوضوح بين الدراما الهادفة وبين ‘البروباغندا’ السياسية. فالحقائق الموثقة على أرض الواقع أقوى بكثير من أي سيناريو يحاول إعادة كتابة التاريخ أو تزييف الحاضر تحت مسمى الفن.
