تحت عنوان “رؤية من الخلف” افتُتح في متحف مركز الفرنسيسكان الثقافي في مدينة دوفيل البحرية في منطقة النورماندي، معرض يرصد من خلال مئة لوحة منفذة ما بين القرنين السادس عشر والعشرين، كيف رسم فنانون غربيون شخصيات تبدو واقفة أو جالسة من الخلف. في فن البورتريه التقليدي نتعرف إلى هوية الشخص المرسوم لأننا نشاهد وجهه، أما عندما يُرى من الخلف فيظل مجهول الهوية بالنسبة لمشاهد اللوحة.
يعتمد المعرض على القراءة التاريخية ويبيّن أن رسم الشخصيات من الخلف بلا وجوه، هو تقليد حديث نسبياً في تاريخ الفنون، ظَهر في القرن السابع عشر عندما تحرر الفن من سلطة الكنيسة وهيمنة المواضيع الدينية والتاريخية. في هذا الإطار، تتجلى مساهمة الفنانين الهولنديين بعدما أفادوا من استقلال بلادهم عن الحكم الإسباني الكاثوليكي، إذ ترافق ذلك مع ولادة فن يتناول المواضيع العلمانية والواقعية، من مشاهد الحياة الريفية والمناظر الطبيعية إلى البورتريهات الشخصية التي تُزين البيوت.

المرأة المرتدية الفستان الأزرق للفنان فيليكس فالوتون.
إنه العصر الذهبي للفن الهولندي الذي عكس من جهة التسامح الديني، ومن جهة أخرى الازدهار الاقتصادي الواسع الذي سمح للهولنديين بتأسيس مراكز تجارية في جميع القارات. من القرن السابع عشر نشاهد في المعرض لوحة للفنان أبراهام بوس (1604 – 1676) يظهر فيها رجل واقفاً، يدير ظهره للمشاهد، مرتدياً قبعة ومستنداً بيده اليمنى على عصا.
أدّت التحولات الثقافية والاجتماعية والسياسية الكبرى التي عرفتها أوروبا بعد اندلاع الثورة الفرنسية، إلى ولادة تيارات فنية جديدة، منها تصوير شوارع المدن والصراع الطبقي وأحوال العمال في المصانع والفلاحين في الحقول. تطالعنا في المعرض لوحات متنوعة من القرن التاسع عشر تظهر فيها الشخصيات مرسومة من الخلف، ومنها لوحة من متحف “أورسي” في باريس للفنان شارل أنغران منفذة عام 1887 وتمثل رجلا وامرأة يسيران معاً في أحد شوارع باريس. أما الفنان بول أنتين فقد اختار عالم العمال في المناجم البلجيكية التي زارها ونشاهد له لوحة لعامل يسير من خلف ساعة الغروب، منفذة عام 1903.

امرأة تغسل بجانب النهر للفنان بول غيغو.
في موازاة اللوحات التي صوّرت العمال ومعذّبي الأرض، نشاهد اللوحات التي عكست الثراء الفاحش واحتفالات الطبقتين الأريستوقراطية والبورجوازية، والسهرات الموسيقية الليلية، كما في لوحة الفنان رونيه برينيه المنفذة عام 1891 وفيها مشهد حفلة رقص كلاسيكي في منزل فخم.
بعيداً من اللوحات التي عكست التفاوت الطبقي، تطالعنا مشاهد الحياة الحميمة في أعمال مميّزة، كما في لوحة “المرأة التي ترتدي الفستان الأزرق” للفنان السويسري فيليكس فالوتون، تبدو فيها المرأة وهي خلف الخزانة في غرفتها تبحث عن أغراضها. اللوحة تعود إلى عام 1903 وهي من مجموعة متحف “أورسي” ومن أجمل أعمال هذا الفنان الذي تحتفل سويسرا بمرور مئة عام على وفاته من خلال مجموعة كبيرة من التظاهرات الثقافية منها معرض بعنوان “فالوتون إلى الأبد” في متحف الفنون الجميلة في مدينة لوزان حيث وُلد.

درس السباحة للفنانة إيفيت ألد.
فرضَ انتشار فن التصوير الفوتوغرافي تحديات جديدة على الفنون التشكيلية منذ نهاية القرن التاسع عشر. فالفنان التشكيلي بعكس المصور الفوتوغرافي لا يمكن أن ينجز صوراً طبق الأصل، مما ساهم في ابتعاده عن الأسلوب الكلاسيكي وتبني أساليب غير تقليدية، كي يجسّد روحه الفنية وقدرته على التميّز. هكذا ظهرت تيارات الحداثة عند مطلع القرن العشرين ومنها التكعيبية والتعبيرية. نتعرف في المعرض إلى مجموعة من اللوحات والصور الفوتوغرافية تعكس مواهب الفنانين الطليعيين بعد تحررهم من القيود الكلاسيكية والأكاديمية.

لوحة إيطالية من القرن الثامن عشر.
مع “رؤية من خلف” نجح متحف مركز الفرنسيسكان في مدينة دوفيل في إقامة معرض مميز على طريقة المتاحف العالمية كمتحف اللوفر والقصر الكبير في باريس. وبعد خمسة أعوام على تأسيسه استقبل المركز أكثر من مليون زائر وبات محطة أساسية لزوار دوفيل وغيرها من المدن البحرية الصغيرة في النورماندي.
