Published On 5/3/20265/3/2026
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي
share2
في موسم دراما رمضان 2026 خرج مسلسل “صحاب الأرض” من إطار السرد التقليدي إلى مقاربة أقرب للتوثيق، إذ لم يقدم الحرب باعتبارها مجرد خلفية للأحداث، بل واقعا يوميا يعيشه البشر، ويستبيح أدق تفاصيل حياتهم.
منذ الحلقات الأولى يضعنا صناع العمل أمام مشاهد تبدو بسيطة لكنها محملة بالدلالات: ألبوم صور قديمة حملته العائلة من تحت الأنقاض إلى الخيمة، بقايا بيت لم يتبق منه سوى جدران مهدمة شاهدة على القصف، وطفل مصاب يستهدف مجددا وهو في طريقه إلى المستشفى، كأن طريق النجاة نفسه هو طريق الخطر.
اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list
لا يكتفي المسلسل برصد المأساة، بل يتوغل في أثرها النفسي، خاصة بعيون الطبيبة المصرية التي لم تعتد على قسوة الحرب وصعوبة الحياة تحت وطأتها، على عكس الأطباء الفلسطينيين الذين بدوا أكثر قدرة على تحمل فكرة الفقد، لا سيما وأنهم مضطرون للتعايش مع فكرة استشهاد عائلات بأكملها مرارا وتكرارا، حتى صار الحزن مؤجلا إلى أن تنتهي الحرب.
بناء التوتر الدرامي
يتميز العمل بما يحمله من توتر درامي متصاعد. إذ تقوم أغلب المشاهد على عد تنازلي دائم داخل المستشفى الذي يعد مساحة ضيقة مكانيا، لكنها تستوعب عشرات القصص المأساوية بين جدرانها.
دقائق قليلة قد تكون الفاصل بين بيت عامر يتلاشى فجأة إثر هجمة إسرائيلية، بين حياة وموت داخل غرفة عمليات في مستشفى مهددة بالاستهداف.
التحذير بالقصف في المسلسل لا يمر كخبر عابر مثلما يحدث في المشاهد الإخبارية، بل يُنقل بوصفه هزة نفسية تربك المكان بكل من فيه.
لا يصنع القصف نفسه ذروة التوتر بقدر ما تصنعه لحظات الانتظار الثقيلة؛ صفارات الإنذار وحركة الطواقم الطبية المتسارعة، الأيادي المرتعشة التي تبحث عما يمكن حمله. لا تبحث الكاميرات عن الانفجارات ولكن عن التفاصيل الصغيرة التي تظهر هشاشة الإنسان وتجبّر الكيان الصهيوني، ليصبح التساؤل الأوضح ليس عن موعد القصف، ولكن كيف يواصل البشر الحياة بينما لا يتوقف العد التنازلي الذي يقربهم وأحبائهم من الموت.
لا يكتفي المسلسل بعرض الأحداث، بل يعيد للصورة الإنسانية بعدها الحقيقي، على عكس الأخبار التي كانت تُقدّم الضحايا كأرقام باردة.
يعيش المشاهد مع الشخصيات، يترقب معهم، ويرتجف أمام كل تهديد، من ناصر الشاب المتسائل عن معنى البطولة، إلى عم إبراهيم المصاب بالزهايمر، ومجد المصور الذي يواجه الخطر لتوثيق الحقيقة. كل شخصية تمثل شكلا مختلفا من المقاومة الإنسانية: رفض الإذلال، الصمود أمام الخطر، الحفاظ على الهوية، والتمسك بالكرامة وسط الفوضى والحصار.
الحياة والمقاومة وسط الدمار
رغم الحرب والخراب، يظهر المسلسل قدرة الفلسطينيين على التمسك بالحياة لا بوصفها رفاهية، بل كفعل مقاومة يومي.
الشخصيات المصرية، مثل الطبيبة والسائق، يتعاملون مع الفلسطينيين بدعم حقيقي غير مشروط، فيما يصر الشاب “علي” الذي يعمل كمسعف على الاستمرار في عمله حتى يوم زواجه، لكنه في الوقت نفسه يتمسك بحقه في الزواج، لا كاحتفال فقط، لكن كمحاولة لإدخال الفرح إلى قلب خطيبته التي فقدت أهلها جميعا، فيبارك لها الجميع من بين الأنقاض وكأن الحياة تعلن وجودها رغم الحرب والدمار والموت.
غير أن المسلسل لا يجمّل البطولة ولا يظهرها كشعار بلا ثمن. الشاب مجد يموت وهو يوثق الوقائع بالكاميرا الخاصة به، تاركا ما صوره شاهدا على همجية الاحتلال. الشاب نضال الذي أحب الفتاة، وحماها من المستوطن الصهيوني، يموت وهو يحاول إنقاذها مرة أخرى.
الفتاة “كرمة” نفسها تقع في يد قوات الاحتلال لأن والدها مطلوب، ويلوح لها ضابط الاحتلال بأختيها الصغريين في تهديد صريح يكشف قسوة الابتزاز النفسي.
كل هذه المواقف يمكن اعتبارها إجابات على سؤال البطولة الذي طرحه “ناصر” على الطبيبة المصرية عندما قال “هل نحن أبطال بالفعل؟”. هنا لا تبدو البطولة مصطنعة، لكنها بطولة حقيقية دفاعا عن الأرض والكرامة.
الرعب والصدمة في صفوف الجيش الإسرائيلي
من بين أهم مشاهد المسلسل التي تترك أثرا عميقا في المشاهد، مشهد الضابطة الإسرائيلية التي تعلن في بث مباشر أكاذيب القيادات الكبرى، من حفاظ على العجائز أو المدنيين، لتعلن أنهم أمروها بعكس ما يعلنون، وصرحت بأنها لا تستطيع النوم من صدى ما تفعله، وهو مشهد مؤثر يدفع للتفكير في أثر الحرب ليس فقط على من يعيشون تحت القصف، بل على من يقودون آلة القتل نفسها.
لا يرتبط هذا المشهد بالدراما أو خيال المؤلف، لكنه يتقاطع مع واقع فعلي وثقته عدة مصادر، أظهرت ارتفاعا في معدلات الانتحار والضغط النفسي داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية منذ بداية حرب غزة، حيث وصلت أعداد الجنود الإسرائيليين الذين انتحروا إلى المئات في الفترة بين عامي 2024 و2025 كما تعمقت الاضطرابات النفسية لديهم مثل اضطراب ما بعد الصدمة والقلق الحاد نتيجة التعرض المستمر للأحداث المروعة.
في المحصلة، ينجح “صحاب الأرض” في تقديم دراما تتجاوز حدود الحكاية الدرامية إلى شهادة إنسانية على واقع الحرب، حيث تصبح التفاصيل اليومية الصغيرة مرآة لمعاناة البشر وصمودهم في آن واحد.
