
كان إرنست همنغواي في تشرين الثاني/نوفمبر من عام 1960 في المستشفى الشهير بسبب معاناته الشديدة من خيالات وهوس وكآبة، ورغبة في الانتحار، ظانا أنه سيجد هناك خلاصا من الجحيم الذي يعيشه. ولكن العلاج كان ربما أسوأ من العلة، فقد أدى هذا العلاج إلى مشاكل عقلية جديدة، حيث أصابته نوبات من عدم القدرة على التركيز وفقدان جزئي للذاكرة. ولكنه ظن أنه في تحسن، لاسيما أن الممرضات كن راهبات وازدادت علاقته قوة بإحداهن، حيث كانت ممرضة متخصصة بالأمراض النفسية، حتى إنه أعطاها نسخة مع أهداء خاص من الرواية التي كانت سبب منحه جائزة نوبل، وهي رواية «الشيخ والبحر» Old Man And The sea، فلم يكن هذا الرجل سوى أشهر كاتب أمريكي في القرن العشرين هو أرنست همنغواي.
غادر الكاتب المستشفى في كانون الأول/ديسمبر، محاولا العودة إلى حياته الطبيعية، من دون جدوى، حيث وجد نفسه عاجزا عن الكتابة، وشكا من أنه كان يكتب جملة واحدة فقط بعد أربع ساعات من المحاولات المضنية، لاسيما انه كان يجاهد لأنهاء كتابة مذكراته عن أقامته في باريس في عشرينيات القرن العشرين، التي بدأ بكتابتها قبل دخوله المستشفى أصلا. ولكن آمال همنغواي انهارت بسرعة غريبة، حيث عادت حالته العقلية والجسدية إلى التدهور مرة أخرى، وكان المستشفى ملجأه مرة ثانية في شهر حزيران/يونيو عام 1961. وبعد بضعة أسابيع من الصدمات الكهربائية والفحوصات، استنتج الطبيب المختص، أن الكاتب تعافي بشكل كاف من الكآبة التي كان يعاني منها، فسمح له بالمغادرة بتاريخ السادس والعشرين من يونيو. وبعد ستة أيام من مغادرته المستشفى استيقظت زوجته في الصباح الباكر على صوت إطلاق نار، وهرعت إلى الخارج، فوجدت زوجها صريعا على الأرض نتيجة انتحاره بإطلاق النار على نفسه من بندقيته وكان عمره آنذاك واحدا وستين عاما. ما يعني أن الكاتب الذي قضى حياته محاولا البرهان على أنه قوي الشخصية والعضلات، كان في الحقيقة مدع أخرق، وأن كل بطولاته المزعومة لم تكن سوى محاولة لإثبات أنه الشخص الذي يكتب عنه في رواياته.
ولكن هذا الإثبات لم يكن فقط للقراء والنقاد، بل كذلك لنفسه، حيث كان في الواقع يشكو من مشكلة الشك في قدراته الشخصية والأدبية. ولكن هذه البطولات كانت بالتأكيد خير دعاية لأعماله الأدبية. وكانت الأعمال الأدبية لأرنست همنغواي، تعتمد على البطل المغوار الذي يقوم ببطولات نادرة ويثير أعجاب النساء ويقود الآخرين للقيام بأعمال بطولية.

تعرض الكاتب لارتجاج في المخ عشر مرات، على الأقل خلال حياته، بسبب حوادث السيارات العديدة التي تعرض لها، نتيجة تهوره الواضح في قيادة السيارات وفي كل ما يفعله، وإدمانه على الكحول. وكانت المرة الأولى عندما كان في الثامنة عشرة من عمره، حيث تعرض لانفجار قنبلة بالقرب منه عندما كان يعمل سائقا للأسعاف في إيطاليا أثناء الحرب العالمية الأولى، ما أدى إلى تعرضه إلى إصابة في الرأس، وإصابات شديدة في الساقين شملت مئتي شظية. ويذكر همنغواي أن مخاوفه تفاقمت عندما اكتشف، أن الأطباء الأيطاليين المشرفين على علاجه، لم يتكلموا الإنكليزية، ما جعل التفاهم معهم مستحيلا كما شك في قابلياتهم. وفي باريس تعرض إلى حادث سبب جرحا بالغا في رأسه تمت معالجته بعملية جراحية كبيرة، شملت العشرات من الطعنات بقيت آثارها واضحة على رأسه، وبالإضافة إلى هذا تعرض إلى حادث سقوط طائرة في افريقيا أدت إلى إصابته بإصابات تطلبت علاجا في المستشفى. وبالفعل استقل طائرة في اليوم التالي إلى أوغندا للذهاب إلى مستشفى هناك، إلا ان هذه الطائرة سقطت بدورها. وكتبت الصحف الأمريكية خبر وفاته لتفاجأ بأنه لم يمت وعاد إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ما جعله يبدو وكأنه بطل مغوار، وما زاد الطين بلة مشاجراته العديدة، ومنها مشاجرة مع الشاعر الأمريكي وليام والاس، ومشاجرة شهيرة مع الممثل أورسن ويلز لأنه انتقد أحد أعماله. وكأن هذا لم يكن كافيا، إذ كانت هواية همنغواي الملاكمة، ما يعني تلقي العديد من اللكمات في الرأس، مما سبب ارتجاجات في المخ.
امتازت شخصية أرنست همنغواي بكونها هوجاء وعدوانية وغدارة، إذ كان سيئ الطبع تجاه كل من حوله، لاسيما عندما لا يكونون مفيدين له، فمثلا التقى في عشرينيات القرن الماضي في باريس بالكاتب سكوت فتزجيرالد، الذي سبقه في الشهرة. وكان فتزجيرالد كريما معه، حيث أعطاه اقتراحات مهمة في الكتابة، كما ساعده في النشر. ولكن ما إن حقق همنغواَي بعض النجاح حتى انقلب على صديقه، مدعيا أنه لا يكن له أي احترام، ورد فتزجيرالد عليه متهما إياه بكتابة روايات تفتقر إلى العمق. وانتقد همنغوَاي، جميع أدباء عصره وكل من قد ينافسه مهما كان حجمهم، ومنهم وليام فوكنر، الذي تبادل معه الاتهامات في مراسلات معروفة. وشمل همنغوَاي في انتقاده اللاذع الأدباء الجدد مثل الكاتب جيمس جونز، الذي نشر رواية «من هنا إلى الأبدية» عام 1951، حيث وصفها همنغوَاي، بأنها كانت ساذجة وعلى كاتبها أن ينتحر، على الرغم من الشعبية الكبيرة التي نالتها الرواية، بالإضافة إلى النجاح الهائل للفيلم المأخوذ منها. وكان واضحا أن همنغوَاي، كان يشعر بالتهديد تجاه مركزه الأدبي من كل من ينشر رواية في عصره. وأما بالنسبة إلى النقد، فقد كان في غاية الحساسية، حتى إنه تبادل اللكمات مع من يتجرأ وينتقده في حضوره. ولم يسلم أحدا من كلامه البذيء ونقده اللاذع، حتى والده ووالدته التي وصفها بأنها «عاهرة»، كما أهمل أبناءه لفترة. وكان قاسيا مع زوجاته الأربع، لاسيما الثالثة منهن، ولذلك كانت الزوجة الوحيدة التي تركته، حيث كان هو البادئ في طلاق الأخريات، فبالنسبة له لا تترك امرأة همنغوَاي، بل هومن يقوم بذلك. وكان معروفا بعلاقاته الجنسية الكثيرة حتى أثناء زواجه. وعلى ما يبدو أنه أعد ذلك نوعا من الرجولة، إلا أنه يعني كذلك تسامح النساء معه وانجذابهن نحوه على الرغم من سمعته السيئة.
كانت سادية همنغواي واضحة للعيان تجاه الحيوانات البرية بشكل غير عادي حيث كان يستمتع برحلات الصيد، لاسيما في افريقيا معدا صيد الحيوانات هناك ضربا من الشجاعة، بالإضافة إلى الظهور مع الحيوانات الميتة في الصور، والابتسامة بادية على وجهه. وفي الحقيقة أن الشجاعة غير موجودة في هذا الصيد، لأنه كان يقتل الحيوان ببندقية صيد ومن على مسافة بعيدة، من دون أي مواجهة. وكان على الحكومات المعنية القبض عليه وإيداعه السجن لهذه الأعمال الوحشية.
وكانت من سماته الكذب ببطولاته، خاصة في الحفلات، لإثارة إعجاب الحاضرين، ولاسيما الحاضرات، فمثلا كان يدعي أنه كان في القوات الإيطالية الخاصة أثناء الحرب العالمية الأولى، بينما كان في الحقيقة سائق سيارة أسعاف. وحتى حكاية إنقاذه أحد الجرحى بعد انفجار القنبلة، التي أدت إلى إصابته، كانت غير معقولة، لأنه أغمي عليه وكانت أصابات ساقيه شديدة. ومع ذلك كان وجوده في إيطاليا في تلك الفترة مصدر إلهام له، عندما كتب رواية «وداعا للسلاح» Farewell to Arms. وادعى أيضا أنه عندما كان في باريس في العشرينيات تعرف على الكاتب الأيرلندي جيمس جويس، حيث اشترك الاثنان في عشقهما للكحول. وأن جويس، كان يثير غضب بعض رواد الحانات، وما إن كانوا يظهرون نية استعمال العنف معه، حتى يطلب من همنغواي الدفاع عنه، ولم يخيب همنغواي آماله، ولكن الخبراء في تاريخ جيمس جويس، يؤكدون عدم صحة هذا الادعاء.
أما بالنسبة للحرب الأهلية الإسبانية، فقد أدعى أنه كان على خط النار وكأنه كان منخرطا في القتال، بينما كان في الواقع مجرد مراسل وبعيدا عن الأعمال الحربية، ولكن تلك الحرب كانت مصدر فكرة رواية «لمن يقرع الجرس» For Whom The Bell Tolls. واستمر في سرد الأكاذيب حيث ادعى كذبا اشتراكه في إنزال النورماندي، بالإضافة إلى أكاذيب أخرى.
نشر همنغواي عشر روايات وعشر مجموعات للقصص القصيرة وخمسة كتب تاريخ. وأنتج ثمانية وعشرين فيلما مقتبسا من أعماله الأدبية، ما جعله أحد أغنى الكتاب في الولايات المتحدة الأمريكية.
يعد أرنست همنغواي، الكاتب الأمريكي الأشهر في تاريخ الولايات المتحدة. ويدل هذا على أن أكاذيبه وأفعاله الهوجاء والسادية واتجاهاته العنصرية وتعليمه المتواضع (لم يكن أبدا طالبا في جامعة) دعمت شهرته. ومن الواضح أن حياته الحافلة بالاستعراض لم تكن سوى رحلة طويلة في كوابيس الكآبة والأمراض النفسية. وحتى طريقة موته كانت استعراضا، على الرغم من أنه لم يكن ينوي ذلك هذه المرة، ومن المفارقات أنه وصف حياته بأنها «مجاري مفتوحة». ومن الجدير بالذكر أن والده وأخاه وحفيدته وأربعة من أقربائه كان مصيرهم الانتحار.

باحث ومؤرخ من العراق
