يمثل كتاب “أحاول” للكاتب والروائى عزت القمحاوى تجربة خاصة داخل الكتابة العربية المعاصرة؛ تجربة تقف عند تخوم السيرة الذاتية والكتابة عن الكتابة فى آن واحد. القارئ لا يواجه سردًا تقليديًا لحياة كاتب، ولا دراسة نقدية عن الأدب، وإنما يجد نصًا يقوم على النظر الطويل فى الطريق الذى يقود الإنسان إلى الكتابة، وعلى استعادة اللحظات الأولى التى يتشكل خلالها وعى الكاتب باللغة والعالم.


يستعيد القمحاوى طفولته وقراءاته الأولى والكتب التى مرت فى حياته واللحظات التى بدأت خلالها علاقة طويلة مع الأدب. تلك العلاقة لم تبدأ داخل مكتبة كبيرة أو بيت عامر بالكتب؛ ففى واحدة من الصفحات التى تكشف طبيعة البدايات يكتب: “فى بيت ليس فيه كتاب واحد، والكتب هى التى تتدبر أمرها وتسعى إليه عبر مسارات شاقة غامضة”.

أحاول
أحاول




تكمن فى هذه العبارة مفارقة لافتة؛ فالكتاب يصل إلى القارئ أحيانًا عبر طرق غير متوقعة. طفل يعيش فى بيت يخلو من الكتب يكتشف فجأة عالم القراءة، فيتحول هذا الاكتشاف إلى نقطة بداية لمسار طويل مع الأدب.


تقود هذه التجربة إلى فكرة أوسع تتعلق بطبيعة القراءة نفسها. القراءة ليست نشاطًا ثقافيًا عابرًا، لكنها تجربة تغير نظرة الإنسان إلى العالم. وقد عبّر خورخى لويس بورخيس عن هذا المعنى حين قال: “كنت أتصور دائمًا أن الفردوس سيكون نوعًا من المكتبات.”


تكشف هذه العبارة العلاقة العميقة بين الإنسان والكتاب. المكتبة ليست مكانًا لحفظ النصوص فحسب، وإنما فضاء تتشكل داخله العقول والخيالات.


وفى السياق نفسه كتب مارسيل بروست: “القراءة فى أيام الطفولة كانت بالنسبة لنا بابًا سحريًا ندخل منه إلى حياة أخرى.”


كتاب “أحاول”، الصادر عن دار المحيط للنشر، يتحرك داخل هذا الباب السحري. القمحاوى يعود إلى اللحظة التى دخل خلالها عالم الكتب، ويكشف للقارئ كيف تتحول القراءة مع الزمن إلى جزء من تكوين الإنسان. النص كله يقوم على محاولة فهم العلاقة المعقدة بين القارئ والكتاب، وبين الكاتب والنص الذى يكتبه.

سامح قاسم
سامح قاسم




من هنا يغدو العنوان نفسه مفتاحًا لقراءة العمل. كلمة “أحاول” تختزل مسارًا طويلًا من التجربة الإنسانية. الكاتب لا يقدم يقينًا نهائيًا حول معنى الكتابة، ولا يعلن الوصول إلى خلاصة قاطعة. التجربة الأدبية عنده تتحرك فى منطقة البحث المستمر عن المعنى.

يمتلك كل كاتب لحظة أولى يبدأ خلالها الوعى الأدبى فى التشكل. تلك اللحظة تظهر غالبًا فى الطفولة حين يكتشف الطفل عالم الكتب. فى “أحاول” يستعيد عزت القمحاوى تلك اللحظة من خلال ذكريات متفرقة تضيء علاقة مبكرة مع القراءة.

الكتب التى وصلت إلى القمحاوى فى طفولته لم تكن كتبًا مثالية. بعضها جاء بلا غلاف، وبعضها فقد صفحات فى بدايته أو نهايته. مع ذلك تركت هذه الكتب أثرًا عميقًا فى ذاكرته. يقول: فى سعيها إلى كانت الكتب تصل منهكة، فاقدة للغلاف غالبًا.. وكان على دائمًا أن أرمّم النص وأكمل الناقص بخيالي.

تكشف هذه العبارة لحظة فريدة فى علاقة الطفل بالنص. القارئ الصغير لا يكتفى بمتابعة الحكاية، لكنه يشارك فى بنائها. الصفحات الناقصة تدفعه إلى استخدام خياله لإكمال الأحداث. من هنا تبدأ العلاقة الأولى بين القراءة والكتابة.

يقول جان بول سارتر: “لقد صنعتنى الكتب”. هذه الجملة تضيء تجربة القمحاوى بوضوح. القراءة ليست نشاطًا معرفيًا فقط؛ إنها قوة قادرة على تشكيل شخصية الإنسان. الطفل الذى يقرأ يبدأ فى اكتشاف العالم عبر اللغة، ويكتشف فى الوقت نفسه قدرته على تخيل عوالم جديدة.

إيتالو كالفينو أيضًا عبّرعن هذه الفكرة بقوله: “كل قراءة حقيقية هى اكتشاف للعالم من جديد”. فى ضوء هذه الفكرة يمكن النظر إلى طفولة القمحاوى بوصفها المرحلة التى بدأت خلالها عملية الاكتشاف. القراءة فتحت أمامه أبوابًا جديدة للفهم، والخيال بدأ يعمل كأداة لإعادة تشكيل الواقع.

مع مرور الزمن تتحول القراءة إلى رغبة فى الكتابة. القارئ الذى يعيش طويلًا مع الكتب يبدأ فى طرح سؤال بسيط: كيف تولد الحكاية؟ كيف تتحول التجربة الإنسانية إلى نص مكتوب؟

فى “أحاول” يصف القمحاوى هذه اللحظة باعتبارها بداية طريق صعب. الكتابة لا تظهر فى حياته اختيارًا سهلًا، إذ تأتى كتجربة مليئة بالتردد والبحث. فى إحدى الصفحات يكتب: “الكتابة عمل مرهق نتطوع به دون أن يطلبه أحد منا، بالتالى لا يجب أن ننتظر وعدًا بأجر أو مكافأة، ورحلة العمل فى كل كتاب أشبه بالسير فى الظلام”.

تكشف هذه العبارة رؤية واضحة لطبيعة الإبداع الأدبي. الكاتب يسير فى طريق لا تحكمه ضمانات واضحة. النص يتشكل عبر التجربة والمحاولة والتردد الذى يرافق كل خطوة فى الكتابة.

يقول كافكا عن هذه الحالة فى عبارته الشهيرة: “الكتاب يجب أن يكون فأسًا تكسر البحر المتجمد داخلنا.”

النص الأدبى فى هذه الرؤية ليس مجرد حكاية مسلية. الكتابة فعل مواجهة مع الذات. الكاتب يغوص فى أعماق التجربة الإنسانية بحثًا عن معنى قادر على التعبير عن تلك الأعماق.

بعد سنوات من القراءة والكتابة يصل القمحاوى إلى فكرة أساسية تلخص تجربته: الأدب قائم على المحاولة. الكاتب يكتب نصًا ثم يشعر أن النص لم يحقق الصورة التى حلم بها فى البداية.

يصف القمحاوى هذه الحالة فى موضع آخر من الكتاب حين يقول: “أشعر عقب الانتهاء من كتاب بإحباط مصدره الإحساس بعدم تحقيق الطموح الذى كان بخاطرى عندما بدأت”.

هذه اللحظة تكشف جانبًا إنسانيًا عميقًا فى حياة الكاتب. العمل الأدبى يظل ناقصًا فى نظر صاحبه. النص الذى ينجزه الكاتب لا يطابق دائمًا الصورة المثالية التى تخيلها.

ميلان كونديرا كتب فى كتاب فن الرواية: الرواية استكشاف لما يمكن للإنسان أن يكونه. هذه الفكرة تنسجم مع تجربة القمحاوى فى “أحاول”. الكتابة ليست إعلانًا عن معرفة مكتملة؛ إنها عملية اكتشاف مستمرة، محاولة لفهم الذات والعالم عبر اللغة.

يصل القارئ فى نهاية كتاب “أحاول” إلى إحساس عميق بأن النص الذى بين يديه ليس مجرد استعادة لذكريات كاتب مع القراءة والكتابة، وإنما رحلة طويلة فى معنى الأدب ذاته. صفحات الكتاب تتجمع مثل خيوط تمتد من الطفولة إلى لحظة النضج، ومن الكتاب الأول الذى دخل حياة الكاتب مصادفة إلى التجربة التى صنعت صوته الأدبي.

تجربة عزت القمحاوى فى هذا العمل تكشف أن العلاقة بين الإنسان والكتاب لا تبدأ دائمًا من قرار واعٍ. طفل يلتقى بالكتاب صدفة، قارئ يكتشف متعة الحكاية، شاب يقضى ساعات طويلة بين الصفحات، ثم يظهر السؤال الكبير: ماذا تفعل هذه الكتب فى حياتنا؟

خورخى لويس بورخيس كتب عبارة تلخص هذه العلاقة: الكتابة ليست أكثر من حلم موجه. هذا الحلم يظهر بوضوح فى تجربة القمحاوي. الكاتب يحاول أن يمسك بتفاصيل حياته وتجربته الثقافية عبر اللغة، ويحاول فى الوقت نفسه أن يمنح تلك التجربة بعدًا إنسانيًا عامًا.

وفى هذا السياق تتضح أهمية عنوان الكتاب. كلمة “أحاول” تحمل معنى يتجاوز بساطتها الظاهرة. المحاولة تعنى أن الطريق لم يكتمل بعد، وأن المعرفة تظل مفتوحة على احتمالات جديدة.