
رأي خاص لـ “بصراحة”: لطالما شكّلت رندة كعدي حالةً خاصة في الدراما اللبنانية والعربية؛ ممثلة لا تشبه غيرها، ولا يمكن اختزال حضورها في دورٍ واحد أو قالبٍ ثابت. على مدى سنوات طويلة، بنت هذه الفنانة مسيرةً صلبة من الأدوار التي انطبعت في ذاكرة المشاهد، وأثبتت فيها أنّ الموهبة الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيج كي تُسمَع، بل إلى صدقٍ في الأداء وعمقٍ في الإحساس. وفي معظم تلك المحطات، وجدت نفسها في أدوار الأم: الأم القاسية التي تضبط إيقاع العائلة، الأم الحنونة التي تحضن الجميع، الأم المكسورة التي تتحمل ما لا يُحتمل، أو تلك التي خسرت كل شيء لكنها بقيت واقفة بشموخ الألم.
غير أنّ هذه الأدوار، على جمالها وتأثيرها، كانت في أحيان كثيرة تشبه إطارًا يحدّ من اتساع موهبة بحجم رندة كعدي. وكأنّ القدر الفني كان يضعها دائمًا في المساحة نفسها، بينما كانت هي تنتظر اللحظة التي تُكسر فيها هذه الصورة النمطية. وقد سُمع عنها في أحد اللقاءات أنّها تتمنى دورًا لا تكون فيه أمًا، دورًا يمنحها فسحةً أوسع لتكشف عن كامل طاقتها كممثلة، وعن تلك الأدوات التمثيلية الكامنة التي لم تُستثمر بعد كما يجب.
ربما تأخّر هذا الموعد، لكنه حين أتى جاء مختلفًا… جاء عبر شخصية “مارغو” السكرى في مسلسل بالحَرام، ليكون محطةً لافتة في مسيرة فنانةٍ لم تتوقف يومًا عن مفاجأة جمهورها. “مارغو” ليست شخصية عادية، بل مغامرة تمثيلية بكل ما للكلمة من معنى. شخصية قد يظنّ البعض أنها خفيفة أو بسيطة، لكنها في الحقيقة من أعقد الأدوار التي يمكن لممثلة أن تجسدها، لأنها تحتاج إلى توازن دقيق بين الكاريزما والحضور، بين العفوية والوعي، وبين الجرأة والقدرة على السيطرة على الإيقاع الداخلي للشخصية.
والأصعب من ذلك أن تأتي هذه المغامرة بعد مسيرة طويلة وناجحة مثل مسيرة رندة كعدي. فكل خطوة جديدة لممثل مخضرم تكون محفوفة بالمخاطر: إما أن تفتح أفقًا جديدًا… أو أن تبدو محاولة غير ضرورية. لكن كعدي، بجرأتها الفنية المعهودة، اختارت أن تدخل هذا التحدي وكأنها تقول إن الفنان الحقيقي لا يتوقف عن التجربة مهما بلغت سنوات خبرته.
وما فعلته في “مارغو” يؤكد ذلك بوضوح. لقد أخذت النص، بكل ما فيه من روح الدعابة والخصوصية التي صاغها الكاتب في الحوارات، ورفعته إلى مستوى آخر من الحياة. فالممثل العظيم لا يكتفي بترديد الكلمات، بل يزرع فيها نبضه الخاص، ويحوّلها من حبرٍ على الورق إلى حالة إنسانية نابضة أمام الكاميرا. وهذا بالضبط ما فعلته رندة كعدي.
في أدائها، بدا واضحًا أنها واحدة من الممثلات النادرات اللواتي يتقنّ التعامل مع الجسد بوصفه لغة تمثيلية كاملة. كل حركة، كل التفاتة، كل إيماءة كانت جزءًا من بناء الشخصية. وكأنها لا تمثل الدور فحسب، بل تعيشه بكل تفاصيله الدقيقة. وهنا يظهر الفارق الحقيقي بين ممثلٍ يؤدي دورًا… وممثلٍ يخلق شخصية تبقى في الذاكرة.
بل إن ما حققته كعدي في هذا الدور يشبه، إلى حد بعيد، تحليقًا خارج الحدود التي وُضعت لها طوال سنوات. خرجت من صورة الأم التي اعتادها الجمهور، وتخطّت هذا الإطار بثقة المتمكن، وكأنها تفتح بابًا جديدًا في مسيرتها، بابًا ربما حلمت به طويلًا، وانتظرته بصبر الفنان الذي يعرف أن اللحظة المناسبة ستأتي يومًا.
والأجمل في هذا كله أن “مارغو”، رغم ما قد يبدو عليه من خفة، هو في الحقيقة من أصعب الشخصيات التي تحتاج إلى طاقة تمثيلية استثنائية. لأن الأدوار التي تعتمد على البساطة الظاهرة غالبًا ما تكون الأكثر قسوة على الممثل، فهي لا تسمح بالاختباء خلف المبالغة أو الانفعال، بل تتطلب صدقًا عاريًا وقدرة نادرة على الإمساك بتفاصيل الشخصية الصغيرة.
وهنا تحديدًا تتجلّى عظمة رندة كعدي. فهي من ذلك الجيل الذي تعلّم التمثيل كحرفةٍ دقيقة، وكفنٍ يحتاج إلى صبرٍ طويل وتراكم خبرة حقيقية. جيل الممثلين الكبار المخضرمين الذين يعرفون كيف يحوّلون الدور، مهما بدا بسيطًا، إلى لحظة إبداعية مكتملة.
تحية كبيرة لهذه الفنانة اللبنانية التي أثبتت مرة جديدة أنها ليست مجرد ممثلة ناجحة، بل مدرسة قائمة بحد ذاتها. فمع “مارغو”، تؤكد رندة كعدي أنها تنتمي إلى زمن الكبار… زمن الممثلين الذين يتركون أثرًا لا يُمحى، والذين لا يتكرّرون بسهولة في زمن السرعة.
وإذا كان الفن الحقيقي يُقاس بقدرته على البقاء في الذاكرة، فإن ما تقدمه رندة كعدي اليوم يذكّرنا بأن بعض الممثلين لا يمرّون على الشاشة مرورًا عابرًا… بل يكتبون حضورهم فيها كما تُكتب العلامات الفارقة في تاريخ الدراما.
