كيف تصنع ذاكرة لمدينة في بلد بلا أرشيف؟ ثمة هوس معاصر بالوثيقة في الفنون المعاصرة. وبالأخص في العقدين الماضيين، صار التنقيب في دور الوثائق بأنواعها وتجميع الكولاج من المتنقيات المحفوظة واحداً من أكثر الممارسات الفنية شيوعاً، إما بسبب الحنين أو بفعل الضغط المتواصل على المجالات الإبداعية من أجل دفعها لاكتساب مصداقية بحثية.
في فيملها الأول “دو يو لاف مي” (2025)، تلجأ المخرجة اللبنانية والفنانة متعددة الوسائط، لانا ضاهر، إلى المادة الأرشيفية، لكن من أرشيف بديل وغير رسمي ومتعدد ومتشظ. نقّبت في أكثر من 2000 مادة بصرية وصوتية، ومقاطع من أكثر من مئة فيلم لبناني بين الروائي والوثائقي ونشرات أخبار وتسجيلات فيديو منزلية، وبرامج إرشاد سياحي، والأغاني المصورة، والمدى الزمني لهذا الأرشيف يمتد ستة عقود. يخبرنا الفيلم في افتتاحيته بأن التاريخ الحديث لا يدرّس في المدارس اللبنانية، أو بالأحرى يتوقف عند مرحلة الاستقلال ولا يتجاوزه. ولهذا تنطلق ضاهر من تلك اللحظة تحديداً، أي من منتصف القرن الماضي.
إلا أنها لا تسعى لتعويض السجل التاريخي المفقود، بل عمداً تحطم خط التتابع الزمني، وتحل بدلاً منه مسارات دائرية وقفزات مفاجئة إلى الأمام وإلى الخلف. وكما يُعدّ كسر الإيهام حجر الزاوية في الأسلوب البريختي، تعتمد ضاهر كسر وهم التاريخية لمراكمة شحنة شعورية تتجاوز الزمن. لا فرق بين حرب وأخرى، أو كما تقول واحدة من الشخصيات في الفيلم “هذه الحرب ليست أسوأ من غيرها”، تتشابه الحروب وهي تندلع المرة تلو الأخرى، في مسار دائري وكأنها حرب طويلة واحدة، ويتشابه الركام، سواء من أثر قذيفة أو سيارة مفخخة أو بعد انفجار مرفأ بيروت. تتتابع المشاهد بلا تعليقات صوتية، لا حاجة للشرح أو السرد، بل سلسلة من المشاهد بجوار البحر، ونساء يقدن سيارات، أعراس، رجال يطلقون النار، وانفجارات، ومشاهد رقص من أفلام منسية، ركام ومبان مهدمة… وفي الخلفية نستمع إلى الشريط الصوتي لبيروت، غنائها وموسيقاها وزخات رصاصها.
ذا بومبوكس، 1995 (فؤاد الخوري)
تنسخ ضاهر بنية الأرشيف في تقطيع مشاهد فيلمها، أي تجمع المواد المتعلقة بموضوع ما في ملف واحد، وتضع موضوعاً إلى جانب آخر بلا صلة بينهما في الظاهر. وتبدو تلك المحاكاة تهكمية وهي تكشف اعتباطية عمليات التصنيف، وبالأخص مع التكرار الهوسي لمشاهد متشابهة. يصنع الفيلم ذاكرة من الصور ومن الأصوات. ففي بلد مثل لبنان، حيث لا أرشيف مركزياً، مَن يتصدى لمهمة تدوين الذاكرة هم الفنانون والسينمائيون والموسيقيون والأفراد حين يسجلون لقطات من حيواتهم اليومية.
“ديو لاف مي؟” عنوان أغنية لعائلة بندلي من إنتاج العام 1979. المفارقة بين اللحن الشرقي الشجي للأغنية، وبين كلماتها الإنكليزية، وتحول لحنها إلى الغربي من صنف الديسكو في مقاطع منها، يثير خليطاً غرائبياً من الأسي والسخرية في آن. تشبه بيروت تلك الأغنية التي اقتبس الفيلم اسمها، في تناقضاتها وفي أنها خليط من كل شيء. هناك حس طاغ بالمأساة، لكن ضاهر تقاطعه كل حين وآخر، بفقرات من خفة الدم والجمال والرقص والشهوانية. ولا تخفف تلك المقاطعات من القدريّة الثقيلة، بل لعلها تكثفها وتجعلها محتملة وقابلة للاستمرار.
صيغة السؤال أو التعجب التي يحملها الفيلم، تشير إلى العلاقة الملتبسة بين الصناعة وبين بيروت. بالرغم من الشاعرية التي تميز مشاهده، إلا أن الفيلم ليس قصيدة حب للعاصمة اللبنانية، ففيه من الخوف وذكريات الصدمة أكثر من الولع. يطرح الفيلم أسئلته أو تلميحات عنها، من دون أن يعطي إجابات: ماذا نفعل بالركام؟ أليس الأرشيف ركاماً من نوع ما؟ ما جدوى الذاكرة؟
