آل كوك/ألويس كوتش: حلم السفر إلى أميركا (برليناله)
في تصنيفات القراءة الفيلمية، هناك أعمال يُطلق عليها أفلام تجرّد، يخوض أبطالها رحلة، يتخلّصون فيها من ممتلكاتهم تدريجياً، إلى أن يبلغوا مرحلة تطهير ذاتي، يعودون فيها إلى أنفسهم، أو تتركز حياتهم أخيراً حول أهم ما يصنع وجودهم.
“الرجل الأكثر وحدة في المدينة” لغرانت جي، المشارك في مسابقة الدورة الـ76 (12 ـ 22 فبراير/شباط 2026) لمهرجان برلين السينمائي، ينتمي إلى هذه الفئة. الرجل المقصود هو آل كوك، أو ألويس كوتش (1945)، الموسيقي الذي صار جزءاً من الثقافة الشعبية النمساوية، في سبعينيات القرن الـ20 وثمانينياته، والمعروف بعزفه “الروكابيلي”، لتقريب المسافة بين البلوز والروك أند رول. والمدينة فيينا الحاضر، حيث تُهدَم أحياء قديمة، بما فيها واجهات عمّرت عقوداً، وتجسّد هويتها الهندسية، وتُجبر حانات عائلية على الإغلاق.
تتمثل خاصية الفيلم في أن المخرِجَين، تيزا كوفي وراينر فريمّل، ينطلقان من الشخصية الحقيقية لكوتش، ويقاربانها في وضعية متخيّلة، مع الحرص على استلهام كل شيء تقريباً من مساره وعلاقته الوجدانية مع البلوز، منذ مظهره الذي يعكس هوساً بإلفيس بريسلي، إلى نظرته الحزينة، ككلّ “بلوزمان” أصلي، مروراً بمنزله، وأغلى ما يملك.
في البداية، يُكتشف الرجل الثمانيني وحيداً في شقته المرتبة، رغم أنها تقع في قبو البناية، ويبدو بابها مدخلَ ملجأ حرب. ينهمك في الاستعداد للاحتفاء بعيد الميلاد، بينما ينصت إلى أغنية لازمتها “أنا جدّاً وحيد”. يقرأ بيوغرافيا روبرت جونسون، “الهروب من الدلتا”. تنقطع الكهرباء فجأة عن الشقة، ويُعرف أن الأمر ليس حادثاً عرضياً، بل يندرج في استراتيجية مدبّرة لطرده من المبنى. يحلّ محامٍ، رفقة رجل يحيل شكله إلى رجال العصابات السلافية، مُقدّماً نفسه ممثلاً للملّاك الجدد للمبنى، ويعرض عليه مقابلاً مالياً لمغادرة المبنى، كما فعل جيرانه.
انقلابٌ درامي يدفع المشاهد إلى الاعتقاد أنه بصدد نسخة أوروبية من “أكواريوس” كليبر ميندونسا فيليو، خاصة عندما تؤطّر الكاميرا كماشات رافعات في الجوار، تهدّ واجهات ذات هندسة خلّابة من دون أن يرمش لها ترس. لكن الفيلم يذهب في اتجاه آخر، أقرب من رقة آكي كوريسماكي، المتغنّية بآخر آثار الطبقة العاملة، إلى توتّر ثريلر مقاومة برازيلي. ذلك أن أجواء الطبقة العاملة ليست غريبة على كوتش، نظراً إلى تدرّبه في شبابه كفني دقّة في شركة شافلر الألمانية، المختصة بصناعة المحامل الميكانيكية، وتشبّع عندها بفكرة أهمية موسيقى البلوز في مكافحة تسليع القيم، والتعامل مع الحياة باعتبارها بضاعة تباع وتشترى، كما صرّح بذلك في تسجيل على شريط VHS، ينتمي إلى ذكريات يحفظها بعناية في شقته، تحتوي على أقراص فينيل وملصقات وصُور، أثمنها صورة بالأبيض والأسود لسيلفيا، زوجته التي غادرته قبل سنوات قليلة.
يدين الفيلم بالكثير لتصوّر الشقة فضاءً ذهنياً، يوحي بأن الأشياء المتراكمة صورة بلاغية لذكريات أضحت كل ما يملك رجل ثمانيني. لكنه، بدل أن يستسلم للحنين، يختار عرضها للبيع عبر إعلانات يعلّقها في الحانات المجاورة. لمسة تفاؤل معدية يجسدها قرار كوتش، غير البديهي البتة، بقبول عرض المالك الجديد، وبيع ممتلكاته إلا مما يكفي لملء حقيبة سفر صغيرة باتجاه دلتا ميسيسيبي، مهد البلوز بالولايات المتحدة الأميركية. هذه ضربة معلم حقيقية لكاتبة السيناريو تيزّا كوفي، تنهل من فلسفة ألبير كامو، الموصية بقول “نعم” للحياة، قبل قول “لا”، وتحيل إلى مقطع مأثور للكاتب رومان غاري عن فاشية الحروب: “ربما يجبروننا على العيش كحيوانات، لكن لا يمكنهم إجبارنا على اليأس. لا وجود لفن يائس. ليس اليأس إلا نقصاً في الموهبة”.
لعلّ الجو المرح والودي، الذي يلفّ جلسات استقبال كوتش للمهتمين بعرض البيع، واستعداده للإجابة عن أسئلتهم، واقتسام ذكرياته الخاصة مع الأشياء، خاصة قرار المونتاج حذف كل إحالة على سعر الأشياء، أو مفاوضة على ثمنها، كلّها قبضات مرفوعة في وجه أيديولوجيا النفعية المحدقة بالعالم. هذا تلمّح إليه مُقتنية أميركية تستغرب من إقدام كوتش على الهجرة إلى الولايات المتحدة “مع كل الجنون الذي يحدث هناك”، وتهتم باقتناء تمثالي نمر لا يكف كلبها عن لعقهما وتقليدهما في مشاهد تحقّق كادرات بصرية خلابة، وتضفي في الآن نفسه على الفيلم خفّة كوميدية مُرحّباً بها، نظراً إلى ثيمته الميلانكولية، والجدّية الخادعة لكوتش.
يحكي كوتش لزائرة رؤية تأتيه في منامه باستمرار، ويعتبرها أكثر كوابيسه إفزاعاً: بينما يستعد للعزف على البيانو، تختفي فجأة المفاتيح السوداء التي يعتمد عليها لتحديد الإيقاع، فيجد نفسه تائهاً، بحكم أنه لا يعرف قراءة النوتات الموسيقية. هذا رجل فَقَد معالم قراءة عالم، صار يعدّ نفسه غريباً فيه، فانزوى في شقته وانفصل عن إيقاع العيش المعاصر. فلا تلفاز في بيته يحمل له الأخبار، ولا سمارتفون في حوزته يصله بآخر “ترند”.
في أحد أطرف المَشاهد، يلتقي كوتش صديقةً قديمة، ويسألها عن سبب إقدامها على قطع العلاقة معه مصادفة، فتجيبه بثقة: “وكيف لا أفعل؟ كيف تجرؤ على إهداء ألبوم لإلفيس بريسلي إلى شخص متيّم بحب البيتلز؟”. إحالة إلى العلاقة الوجدانية التي جمعت جيلاً في طور الاختفاء مع الموسيقى.
رغم تحضيرات السفر، لا نعلم إن كان كوتش سيقدم على الهجرة فعلاً، إذْ يلمّح لصديقته بشكّه في ذلك، بينما تلتقط له صُوراً، مغتنمة الشبه بين نهري ميسيسيبي والدانوب، فتغدو حصة فرز الصُور، بعد تحميضها، فرصة للقبض على كلاسيكية نظرة آل كوك وانتمائها إلى زمن انقضى، لم يكن فيه مكان لمنحى البحث عن إثارة سهلة، أو جمال برّاق، ما ينعكس في شكل الفيلم نفسه، مانحاً إياه قاعدة تناغم جذاب بين الشكل والمضمون.
في المشهد الختامي الجميل، إشارة بالغة الدلالة على أن الفن وحده يقاوم مسار الإنتروبيا، ويبقى رغم اختفاء كل شيء حوله، مُعطياً معنى للوجود والاختفاء معاً. تلك ملاحظة تنسحب على الفيلم نفسه، الذي يُعدّ عملاً فنياً يقاوم النسيان، ويعرّف الأجيال المقبلة بفن آل كوك.
