من قلق موسم “عيد الفطر” في الشرق الأوسط إلى مخاوف هوليود على استقرار الأسواق الدولية، تضع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي اندلعت في 28 فبراير/شباط 2026، صناعة السينما في الخليج أمام اختبار هو الأكثر قسوة منذ سنوات.

وترسم المؤشرات الميدانية صورة لمرحلة ترقب حذر تعيشها دور العرض، فالأزمة الراهنة لا تتمثل في خسارة رقمية معلنة فحسب، بل في اضطراب بيئة التشغيل التي تمنح السينما استمرارها، بدءا من ثقة المستهلك في الأمان، وصولا إلى حركة الطيران والسياحة التي تمثل جزءا من الشريان الخفي لتدفق الجمهور إلى صالات العرض.

اقرأ أيضا list of 3 itemsend of listالجمهور العابر

وصف موقع “ديدلاين” (Deadline) المتخصص في شؤون السينما موسم عيد الفطر المقبل في الخليج بأنه يواجه حالة من عدم اليقين، وهو توصيف يناسب الأزمة التي طالت صورة الاستقرار التي بُنيت عليها استثمارات الترفيه والسياحة الضخمة في مدن كبرى مثل الرياض ودبي.

ولا يمكن فصل مستقبل شباك التذاكر عن البنية التحتية لحركة السفر التي تعرضت لشلل ملحوظ، فبحسب تقارير وكالة رويترز، أُلغيت منذ بداية الصراع وحتى 9 مارس/آذار أكثر من 37 ألف رحلة جوية، مما يمثل ضربة مباشرة للجمهور العابر والسياح الذين يرتادون دور السينما في مواسم العطلات، إذ تتوقع شركة “توريسم إيكونوميكس” (Tourism Economics) فقدان قاعدة جماهيرية واسعة كانت تملأ مقاعد السينما في فترات الذروة المعتادة نتيجة تراجع الإنفاق السياحي.

توقف رحلات الطيران بمطار دبي.. ماذا تخفي سلطات الإمارات؟مطار دبي (الجزيرة)السينما الأسيوية

كانت السينما الآسيوية في طليعة المتأثرين بهذا المشهد المتفجر، إذ بدأت انعكاسات الصراع تظهر بوضوح في جداول الإصدارات السينمائية العالمية. وأعلنت شركات إنتاج عدة عن تعديلات اضطرارية في مواعيد عرض أفلامها تحسبا للاضطراب المتزايد في الأسواق الدولية، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط، التي تصنف واحدة من أهم روافد الإيرادات للأفلام الآسيوية.

فيلم الأكشن الهندي المرتقب “سام: حكاية خرافية للكبار” (Toxic: A Fairy Tale for Grown-Ups) للنجم “ياش”، هو إحدى أبرز الحالات المؤكدة لهذا الارتباك، فقد كان من المنتظر طرحه عالميا في 19 مارس/آذار 2026، لكن المنتجين أعلنوا رسميا تأجيل العرض إلى 4 يونيو/حزيران 2026، وبرروا القرار بالتوترات السياسية المتصاعدة في المنطقة وتأثيرها المباشر المحتمل على الانطلاقة العالمية للفيلم.

ولم يتوقف الأمر عند حدود مواعيد العرض، بل امتد ليشمل الفعاليات الترويجية الكبرى المرتبطة بأعمال أخرى ذات ميزانيات ضخمة، فقد تم تأجيل حفل إطلاق فيلم “رامايانا: الجزء الأول” (Ramayana: Part One)، الذي كان من المفترض تنظيمه في مدينة مومباي، قبل أن يتقرر نقله إلى موعد لاحق في مايو/أيار نتيجة المخاوف المرتبطة بالحرب.

وتؤكد تقارير الصناعة أن هذه القرارات المتلاحقة تعكس الحساسية المفرطة لسوق التوزيع السينمائي تجاه التوترات العسكرية، خاصة بالنسبة للأفلام التي تعتمد إستراتيجياتها الربحية بشكل أساسي على إيرادات الأسواق الخارجية الحيوية، وفي مقدمتها دول الخليج والشرق الأوسط.

 

وقد انعكست تلك المخاوف في حالة من التجميد المؤقت الذي طال مستويات إنتاج مختلفة، إذ يسود سيناريو التأجيل غير المعلن من قبل الاستوديوهات العالمية الكبرى نتيجة مخاوف لوجستية تعيق وصول النسخ الفيزيائية والمواد الترويجية.

ويمتد هذا الارتباك ليشمل الإنتاجات العربية والإقليمية، إذ يدرس كبار المنتجين والموزعين في مصر والخليج ترحيل أفلام موسم عيد الفطر إلى مواسم لاحقة خشية العزوف الطوعي للجمهور عن الأماكن المزدحمة، وتجنبا لاحتراق الأفلام بافتتاحيات كارثية لا تعكس حجم الإنفاق.

ملصق فيلم سام حكاية خرافيةملصق فيلم “سام: حكاية خرافية للكبار” (الجزيرة)قائمة عربية قابلة للتأجيل

وتضم القائمة العربية للأفلام في الموسم المقبل عددا من الأفلام المصرية والعربية الضخمة، والتي تعتمد تقليديا على هذا الموسم بصفته ركيزة أساسية لتحقيق عوائدها الكبرى.

في مقدمة هذه الأعمال يأتي فيلم الأكشن المنتظر “الكلاب السبعة”، الذي يجمع بين كريم عبد العزيز وأحمد عز في لقاء سينمائي ثقيل، وتدور أحداثه حول مواجهات محتدمة بين أجهزة أمنية وعصابات دولية، وهو نوع من الأفلام الذي قد يتأثر بشدة بالحالة النفسية العامة للجمهور في ظل أجواء الحرب.

وينسحب القلق نفسه على الفيلم التاريخي “أسد”، وهو من بطولة محمد رمضان، والذي يمزج في إطاره الدرامي بين الأكشن والبعد التاريخي، ويُعد من الرهانات الإنتاجية الكبيرة لهذا الموسم.

كما تضم قائمة الأفلام المهددة بالارتباك فيلم الإثارة “فرقة الموت”، من بطولة أحمد عز وآسر ياسين، والذي يتناول قصة وحدة أمنية في مواجهة شبكة إجرامية خطيرة، وهي ثيمة درامية قد تجد السينما صعوبة في تسويقها على شكل “ترفيه هروبي” في توقيت تسيطر فيه أخبار المواجهات العسكرية الحقيقية على الشاشات.

كريم عبد العزيز وأحمد عز في موقع تصوير فيلم الكلاب السبعة @(آي ام دي بي)كريم عبد العزيز وأحمد عز في موقع تصوير فيلم “الكلاب السبعة” (آي أم دي بي)

وحتى الأعمال التي تبتعد عن أجواء الإثارة والأمن لم تنجُ من حسابات الربح والخسارة، مثل الفيلم الكوميدي الاجتماعي “برشامة” من بطولة هشام ماجد، الذي تدور أحداثه حول مجموعة طلاب يجدون أنفسهم في موقف عبثي أثناء امتحان جامعي؛ إذ يخشى الموزعون من أن تؤدي حالة عدم اليقين العام إلى عزوف العائلات عن ارتياد دور السينما، مما يهدد بتحويل هذه الإنتاجات الضخمة إلى خسائر مالية فادحة إذا ما طُرحت في توقيت يفتقر لـ”مزاج الترفيه” المستقر الذي يتطلبه شباك التذاكر العربي.

ويخشى صناع السينما من بروز توجه رقابي لسحب أو تأجيل الأعمال التي تتناول موضوعات الحروب والنزاعات العسكرية مراعاة للحالة النفسية العامة وتجنبا لإثارة القلق في ظل تداعيات المواجهة الدائرة.

مخاوف علنية في هوليود

وقد بدأ صناع السينما أنفسهم التعليق على الانعكاسات الثقافية والاقتصادية للحرب على إيران، ففي حفل نقابة المنتجين في هوليود -الذي عُقد بعد يوم واحد من اندلاع الحرب- قالت الرئيسة التنفيذية للنقابة سوزان سبرونغ إن “أحداث الساعات الـ24 الماضية تجعلنا جميعا قلقين”، كما قال المدير التنفيذي لنقابة الممثلين دنكان كرابتري-آيرلند “قلوبنا وأفكارنا مع كل من تتعرض حياتهم للخطر في الخارج”.

وكانت أفلام عيد الفطر المرشحة للعرض في السوق الخليجية قبل نشوب الحرب هي فيلم الرسوم المتحركة “هوبرز” (Hoppers)، وهو عمل عائلي يدور حول فتاة تستخدم تقنية متطورة لنقل وعيها إلى حيوان آلي للتواصل مع الحيوانات وحمايتها.

ومن الأعمال المنتظرة، أيضا، فيلم الرعب الشهير “الصرخة 7” (Scream 7)، الذي يعيد شخصية القاتل المقنّع “غوست فايس” في فصل جديد من السلسلة الطويلة.

مشهد من فيلم مارتي سوبريم @ (آي ام دي بي)مشهد من فيلم “مارتي سوبريم” (آي أم دي بي)

كما تضم القائمة فيلم الخيال العلمي “مشروع هيل ماري” (Project Hail Mary) بطولة رايان غوسلينغ، والذي يروي قصة معلم علوم يجد نفسه على متن مركبة فضائية في مهمة لإنقاذ الأرض من كارثة كونية.

وفي القائمة أيضا فيلم الرعب والإثارة “الغرباء: الفصل الثالث” (The Strangers: Chapter 3)، الذي يختتم ثلاثية أعيد إطلاقها في السنوات الأخيرة.

وتشمل العروض المرتقبة أيضا الدراما الرومانسية “تذكارات منها” (Reminders of Him) المقتبسة من رواية كولين هوفر، وفيلم الرعب الدرامي “العروس” (The Bride) الذي يقدم معالجة جديدة لقصة فرانكنشتاين الكلاسيكية، والفيلم الدرامي الرياضي “مارتي سوبريم” (Marty Supreme)، من بطولة تيموثي شالاميه.

وتشير تقارير الصناعة إلى أن هذه العناوين كانت مرشحة لتشكيل العمود الفقري لبرنامج العروض في صالات السينما في الخليج أثناء عطلة العيد، وهي الفترة التي تعد عادة من أقوى مواسم شباك التذاكر في المنطقة بفضل الإجازات الطويلة والعروض العائلية.

Illustration shows Netflix logoمنصات رقمية مثل نتفليكس قد تستفيد من الركود في دور السينما بسبب الحرب على إيران (رويترز)صعود المنصات

في مقابل الركود الذي يهدد صالات السينما، تجد منصات البث الرقمي في المنطقة نفسها أمام فرصة إستراتيجية لملء الفراغ الترفيهي، إذ بدأت منصات كبرى في إعادة جدولة عروضها الحصرية لتتزامن مع فترة العيد بصفتها بديلا آمنا ومتاحا للجمهور الذي يفضل البقاء في المنزل.

يعيد هذا التحول الاضطراري صياغة العلاقة بين المشاهد والمحتوى، إذ تشير التقارير إلى زيادة مطردة في معدلات الاشتراك منذ بداية الأزمة، مما يدفع المنصات لتعزيز مكتباتها بالأعمال التي تم سحبها من دور السينما أو تأجيل عرضها التجاري.

المشهد الجديد يعيد للأذهان فترة جائحة كورونا (كوفيد-19)، إذ يتوقع أن تصبح المنصات هي الملاذ الوحيد للصناع للوصول إلى الجمهور، وهو ما قد يؤدي إلى تغيير طويل الأمد في عادات الاستهلاك الترفيهي في المنطقة حتى بعد انتهاء المرحلة المباشرة من النزاع.

مأزق هوليود

تزامن هذا الاضطراب مع قفزة أسعار النفط التي جعلت تكاليف التوزيع والترويج في منطقة تعيش حالة طوارئ مخاطرة غير محسوبة لهوليود، التي باتت تخشى من تحييد سوق الخليج فترة طويلة، مما يدفعها لتأجيل العروض العالمية الكبرى من أجل تفادي استهلاك أوراقها الرابحة في توقيت يغيب فيه الإقبال الجماهيري وتسيطر فيه أخبار الميدان على اهتمامات الشارع.

يظل شباك التذاكر الخليجي ينتظر أثرا لم يُقَس كله بعد، وسط جداول عروض تشهد تحديثات مستمرة واختفاءات مفاجئة لأسماء أفلام كانت ستتصدر الشاشات، بانتظار قدرة المنطقة على استعادة الإحساس العام بالأمان، الذي يظل العملة الأصعب لضمان تدفق الجمهور من جديد.