يُقام حالياً في غاليري Ceysson & Bénétière معرض استعادي شامل للفنان كلود فيالا (مواليد مدينة نيم عام 1936)، أحد أشهر الفنانين الفرنسيين الأحياء اليوم.

يأتي المعرض بمناسبة مرور عشرين عاماً على تأسيس الغاليري واحتفالاً بنجاحها الباهر في المشهد الفني المعاصر، ليس فقط في المدن الفرنسية وأولاها باريس، بل أيضاً في العواصم العالمية ومنها طوكيو ونيويورك وجنيف حيث فروعها في قلب الأحياء التاريخية.

لم يأتِ اختيار كلود فيالا بالصدفة فهو كان أول فنان تعرض له الغاليري عند انطلاقتها قبل أن تفرض نفسها على الساحة الفنية، وهي أعدّت برنامجاً حافلاً لتكريم مسيرته المميزة الممتدة منذ ستّين عاماً.

 

تحول الألوان.

تحول الألوان.

 

ارتبط اسم كلود فيالا بحركة “محامل، مساحات” وهي حركة فنّية فرنسية نشأت عام 1969 وطرحت أسئلة حول ماهية الفن بعد الحرب العالمية الثانية وهيمنة التجريد وصعود الفن الأميركي الحديث في نيويورك. كان فيالا من مؤسّسي الحركة، إلى جانب آخرين منهم فينسان بيوليس ودانييل دولوز وباتريك سايتور. صحيح أنها لم تعِش طويلاً، لكن كان لها تأثير هام وكبير على أجيال من الفنانين لأنّها عَملت على تفكيك المفاهيم التقليدية للفن وتجريده من أبعاده الرمزية والتصويرية سواء كان النتاج الإبداعي رسماً أو نحتاً.

سعى فيالا ورفاقه إلى تجديد الأساليب والمواد المستخدمة من خلال إعادة اكتشاف هذه المواد والتقنيات المعتمدة في الأعمال الفنية منذ مئات السنين، مستخدمين المواد البسيطة وغير الثمينة كالقماش والورق والخشب الناعم.

حافظ فيالا، كما يبيّن لنا معرضه الجديد، على توجهاته الأولى طوال مسيرته الطويلة وظلّ وفيّاً لها وهو اليوم على أبواب التسعين من عمره. اعتمد على الأقمشة المتنوعة ليصوغ منها لوحات ملونة متفاوتة الأحجام بلا أطر خشبية أو معدنية. عام 1988 مثّل فرنسا في بينالي البندقية وعرض سلسلة من اللوحات الملونة المنفّذة على قماش أكياس. كانت الأقمشة معلّقة في الفضاء بعد أن رسم عليها الفنان من الجهتين (على الوجه والقفا) مما أتاح لزوار الجناح الفرنسي بالتنقل بينها بحرّية وتحسّسها عن قرب.

 

كلود فيالا في محترفه.

كلود فيالا في محترفه.

 

تتنوّع الأقمشة التي يعتمدها الفنان، ومنها الشراشف العتيقة والأنسجة المخملية وقطع الثياب البالية والستائر… يصبغها بالألوان الفاقعة على طريقة الفنون البدائية. كذلك يستعمل الأسلاك وشباك الصيد والفلّين ليبني منها أشكالاً متنوعة. ينطلق في رسومه على الأقمشة من شكل أوّلي يبدو كإسفنجة ملونة أو كحبّة فاصولياء كبيرة تتكرر باستمرار بشكل لا نهائي في جميع أعماله.

باختصار، تقوم جميع أعماله على مبدأ الإعادة والتكرار، يقول في هذا الصدد إنّ “التكرار ضرورة فعلية بالنسبة لي، والمهم هو كيفية التفاعل مع الألوان بطريقة حدسية مكثفة”. يضع فيالا الأقمشة على الأرض في محترفه ويرسم عليها ثم يعلّقها على الجدران بلا إطارات. كذلك يعمل في الهواء الطلق مولياً الألوان أهمية قصوى، ما يساهم في حضورها الطاغي في إطار إيقاعات شرقية وغربية ذات أبعاد متوسطية. وتتشرّب الأقمشة المستعملة الألوان بطرق مختلفة حسب سماكتها.

تغيب عن جميع أعماله المعروضة الأحداث والمواضيع والإشارات المباشرة لتحضر اللغة البصرية الصرفة التي تعكس بحث الفنان ورؤيته الخاصة بعد تعمّقه منذ شبابه في معرفة نتاج كبار رواد القرن العشرين ومنهم الإسباني بيكاسو والفرنسي ماتيس والأميركي بولوك وغيرهم.

 

جدارية من القماش الملون.

جدارية من القماش الملون.

 

أخيراً، أهدى الفنان معرضه الجديد إلى زوجته هنرييت التي توفيت العام الماضي وكانت فنانة وإلى جانبه دائماً، ما ساهم في نجاحه في فرنسا والعالم. كان حاضراً معنا يوم الافتتاح وأخبرنا أنّه أقام معرضاً في بيروت عام 1994 ومعرضاً في المركز الثقافي الفرنسي في دمشق مطلع عام 2010. كذلك أخبرنا أنّه أهدى لوحة له لمشروع “متحف فلسطين في المهجر” الذي يشرف عليه الياس صنبر، المؤرخ وسفير فلسطين السابق لدى اليونسكو، وهو مشروع انطلق عام 2015 وتجسّدت فكرته في معرض مميز أقيم في معهد العالم العربي عام 2018.