لم يعد مصطلح “هرمجدون” مجرد عنوان لفيلم من إنتاج هوليود أو نبوءة دينية في الكتاب المقدس، بل تحول فجأة إلى “شيفرة سياسية” تتردد أصداؤها في أروقة القرار وقواعد الانطلاق العسكرية.

    ويستخدم ساسة وقادة عسكريون هذه الشيفرة لتبرير الحرب باعتبارها “معركة نهائية” لتطهير العالم من “محور الشر”.

    اقرأ أيضا list of 4 itemsend of list

    وفكرة “هرمجدون” واحدة من أكثر المفاهيم الدينية عمقا في الوجدان الإنساني الغربي، وقد خرجت من “سفر الرؤيا” في “العهد الجديد” من “الكتاب المقدس”، إذ وردت بصفتها ساحة للمعركة النهائية الفاصلة بين “قوى الخير” و”قوى الشر” في نهاية الزمان. وتحول المصطلح في الثقافة الغربية الحديثة إلى رمز شمولي يختصر فكرة الانهيار الكلي للحضارة الإنسانية.

    وجدت هوليود في سيناريوهات الكارثة الشاملة مادة درامية بالغة الثراء في بدايات القرن العشرين، فقد بدت قادرة على تجسيد الرعب وتحويله إلى عرض بصري يستحق المشاهدة، لتتحول السينما بذلك إلى الفضاء الثقافي الأهم الذي أعاد إنتاج مفهوم “النهاية” في قوالب فنية تعكس هواجس كل عصر.

    الحرب الباردة

    كان أول ظهور لسيناريو “هرمجدون” في السينما الحديثة مع بداية الحرب الباردة في نهاية الأربعينيات، حين أصبح احتمال الحرب النووية هو الأكثر حضورا في الخيال الغربي.

    ويشير المتحف الوطني للتاريخ الأمريكي، التابع لمؤسسة سميثسونيان (Smithsonian Institution) في توثيقه لتلك الحقبة إلى أن الخوف من الفناء تحول إلى موضوع محوري في الإنتاج السينمائي والتلفزيوني، واستخدمت الأفلام سيناريوهات نهاية العالم للتعبير عن القلق العام من التدمير الشامل الناتج عن سباق التسلح بين القوى العظمى.

    ومن أبرز تلك المحطات فيلم “الدكتور سترينجلوف” عام 1964 (Dr. Strangelove) للمخرج ستانلي كوبريك، الذي قدم معالجة ساخرة ومريرة لفكرة الحرب النووية، ووصف المعهد الأمريكي للسينما هذا العمل بأنه كوميديا سوداء عبقرية كشفت عبثية الإستراتيجيات العسكرية واحتمال تدمير الكوكب نتيجة خطأ بشري أو سوء تقدير سياسي محفوف بالجنون.

    تطورت هذه الرؤية في الثمانينيات لتصبح أكثر واقعية وقسوة مع فيلم “اليوم التالي” (The Day After) الذي عرضته شبكة إيه بي سي (ABC) الأمريكية، محققا أرقاما قياسية في المشاهدة تجاوزت مئة مليون متابع، وهو فيلم درامي تلفزيوني أمريكي عُرض لأول مرة على شبكة “إيه بي سي” في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 1983، ويتناول سيناريو اندلاع حرب نووية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي وما يترتب عليها من دمار واسع في المدن الأمريكية.

    George C. Scott in Kubrick's "Dr.Strangelove"1964 _اجتماع التخطيط لنهاية العالم في فيلم الدكتزر سترنجلوف (غيتي ايميدجز)اجتماع “التخطيط لنهاية العالم” في فيلم الدكتور سترنجلوف (غيتي)

    تدور أحداث الفيلم في ولاية كانساس، ويتابع مصير مجموعة من السكان بعد الانفجارات النووية، مركزا على الآثار الإنسانية والاجتماعية للحرب أكثر من مشاهد المعارك نفسها.

    حقق الفيلم تأثيرا كبيرا عند عرضه الأول، إذ شاهده نحو 100 مليون شخص في الولايات المتحدة، ما جعله أحد أكثر البرامج التلفزيونية مشاهدة في تاريخ البلاد آنذاك. كما أثار نقاشا سياسيا واسعا حول مخاطر سباق التسلح النووي أثناء الحرب الباردة.

    ويذكر متحف الاتصالات الأمريكي أنه نجح في صدم الجمهور بصور واقعية لآثار الحرب النووية، مما أثار نقاشا سياسيا محتدما حول أخلاقيات التسلح.

    وقدمت بريطانيا فيلم “خيوط” عام 1984 (Threads)، الذي تناول الكارثة نفسها بواقعية مفرطة، إذ يصفه المعهد البريطاني للأفلام (BFI) بأنه واحد من أكثر الأفلام رعبا في تاريخ الشاشة، نظرا لتقديمه تصويرا علميا دقيقا لفرضية تفكك المجتمع البريطاني تحت وطأة “الشتاء النووي”.

    يصور الفيلم انهيار المجتمع البريطاني بعد اندلاع حرب نووية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، ويركز على مدينة شيفيلد التي تتحول إلى نموذج مصغر للكارثة.

    وقد عُرف العمل بما سماه بعض النقاد “واقعيته الصادمة”، إذ اعتمد على دراسات علمية حول آثار الانفجارات النووية والشتاء النووي وانهيار البنية الاجتماعية.

    ويصفه المعهد البريطاني للأفلام بأنه أحد أكثر الأعمال التلفزيونية رعبا في تاريخ بريطانيا لأنه قدم تصويرا “قاسيا ومفصلا للنتائج الواقعية لحرب نووية شاملة”.

    ويرى الباحث في تاريخ السينما جي هوبيرمان في كتابه “حياة الحلم” أن هذه الأعمال لم تكن مجرد خيال، بل كانت استجابة ثقافية ومباشرة للمناخ السياسي المتوتر، إذ سمحت السينما للجمهور بمواجهة احتمال الكارثة في فضاء خيالي يعكس الواقع الدولي المتأزم.

    تهديد خارجي

    شهدت هوليود تحولا في مصادر التهديد بعد نهاية الحرب الباردة، وانتقلت “هرمجدون” من صراع الأيديولوجيات إلى التهديدات القادمة من أعماق الفضاء مثل الكويكبات والمذنبات.

    برز فيلم “هرمجدون” -للمخرج مايكل باي- أيقونة لفكرة البحث عن عدو مشترك للبشرية، ليصور رحلة انتحارية لتدمير كويكب يهدد الأرض، وصنفت الموسوعة البريطانية هذا الفيلم على أنه “النموذج الأتم” لسينما الكوارث الضخمة التي توظف المؤثرات البصرية والملاحم البطولية لجذب الجماهير العالمية.

    وفي العام نفسه قدم فيلم “تأثير عميق” (Deep Impact) رؤية مغايرة ركزت على الجوانب الإنسانية والاجتماعية، ويشير المعهد الأمريكي للسينما إلى أن الفيلم اهتم برصد ردود فعل البشر أمام حتمية الفناء بدلا من الاكتفاء بمشهدية الدمار.

    _ماثيو ماكونهي بطل فيلم بين النجوم والمخرج كريستوفر نولان قبل أحد عروضه (غيتي ايميدجز)ماثيو ماكونهي بطل فيلم “بين النجوم” والمخرج كريستوفر نولان قبل أحد عروضه (غيتي)

    وكان للتطورات التكنولوجية في مجال المؤثرات البصرية الرقمية دور حاسم في تعزيز هذه السينما، ويوضح المعهد البريطاني للأفلام أن الطفرة التقنية التي تلت فيلم “حديقة الديناصورات” عام 1993 (Jurassic Park) فتحت الباب أمام جيل جديد من أفلام الكوارث ذات الميزانيات التي تعد بالملايير.

    ويرى الباحث ستيفن كين في كتابه “أفلام الكوارث: سينما الفجيعة” (Disaster Movies: The Cinema of Catastrophe) أن هوليود اعتمدت على تحويل الكارثة إلى عرض بصري يتيح للجمهور تجربة الخوف من الدمار داخل فضاء ترفيهي آمن، وهو ما جعل فكرة “نهاية العالم” في التسعينيات تتحول إلى تجربة بصرية ملحمية تعكس قدرة التكنولوجيا على تحويل الكابوس الكوني إلى حدث سينمائي مبهر.

     

    التكنولوجيا ونهاية العالم

    اتسع نطاق “هرمجدون” في القرن الحادي والعشرين، ليشمل مخاطر التغير المناخي والتقدم التكنولوجي غير المنضبط، مما يعكس تحولا في القلق الجماعي العالمي.

    ويظهر هذا بوضوح في فيلم “بين النجوم” عام 2014 (Interstellar) للمخرج كريستوفر نولان، وتناولت قصته مستقبل الأرض حين تصبح غير قابلة للحياة بسبب انهيار النظام البيئي. وتقول الموسوعة البريطانية إن الفيلم يطرح تساؤلا وجوديا حول قدرة العلم على إيجاد بديل لكوكبنا المتداعي.

    ويؤكد الفيزيائي كيب ثورن في كتابه “علم بين النجوم” (The Science of Interstellar) أن العمل استند إلى فرضيات علمية حقيقية لجعل الجمهور يفكر بجدية في مصير الأرض.

     

    وجاء فيلم “لا تنظر للأعلى” للمخرج آدم مكاي ليقدم هجاء سياسيا حادا، ووصفته صحيفة الغارديان البريطانية بأنه يستخدم سيناريو نهاية العالم للتعليق على عجز الأنظمة السياسية والإعلامية عن مواجهة الأزمات الحقيقية مثل التغير المناخي، بينما أشارت مجلة نيتشر (Nature) إلى أن المذنب في الفيلم ليس إلا رمزا للخطر العلمي الذي يتم تجاهله من أجل مكاسب سياسية ضيقة.

    لم تقتصر التهديدات الحديثة على الطبيعة، بل امتدت لتشمل الذكاء الاصطناعي، كما في سلسلة أفلام “المبيد” عام 1984 (The Terminator) التي جسدت مخاوف تمرد الآلات.

    ويشير المعهد البريطاني للأفلام إلى أن هذه السلسلة جسدت واحدا من أكثر الهواجس التكنولوجية حضورا في العصر الحديث، وهو فقدان السيطرة البشرية أمام الذكاء الاصطناعي.

    وترى الباحثة شيريل فينت في كتابها “الخيال العلمي: دليل الحيارى” (Science Fiction: A Guide for the Perplexed) أن هذه الأفلام تعكس القلق من أن التطور التقني قد يتجاوز الأخلاق البشرية، مما يجعل هذه الأعمال جزءا أصيلا من النقاش الثقافي حول مستقبل الجنس البشري.

     

    العودة

    يكمن سر عودة أفلام “هرمجدون” للتداول في أوقات الحروب والأزمات فيما تسميه الناقدة سوزان سونتاغ في مقالها “خيال الكارثة” (The Imagination of Disaster) بـ “الاستعارة الجماعية للخوف السياسي”، حيث ترى أن هذه الأفلام تمنح المجتمعات وسيلة لتصور أسوأ السيناريوهات داخل إطار سردي يمكن السيطرة عليه.

    ويؤكد عالم الاجتماع أولريش بيك في كتابه “مجتمع المخاطر” (Risk Society: Towards a New Modernity) أن للسينما دورا حيويا في مساعدة الناس على استيعاب الأخطار العالمية التي تفتقر إلى ملامح واضحة في الواقع.

    كما يفسر الباحث هنري جينكينز في كتابه “ثقافة التقارب” (Convergence Culture: Where Old and New Media Collide) ظاهرة عودة أفلام مثل “عدوى” للتصدر في أوقات الأوبئة، بأنها رغبة إنسانية في فهم الأزمة الحالية من خلال قصص سبق للثقافة الشعبية تخيلها ووضع نهايات لها.

    تظل أفلام نهاية العالم، برغم ما تحمله من دمار بمتفجرات هوليودية، قصصا إنسانية بامتياز، إذ يرى الناقد روجر إيبرت أن قوة هذه الأفلام لا تكمن في حجم الانفجارات، بل في قدرة الشخصيات على التضحية والأمل في أحلك الظروف.