حقق مسلسل “يوميات رجل عانس” نجاحاً كبيراً في رمضان 2025، خاصة بين الشباب، حيث عرض الكثير من همومهم ومشاغلهم في قالب كوميدي طريف بفريق عمل متجانس وجذاب.

وعلى مدار 30 حلقة تابع المشاهدون محاولات الشاب الأعزب عبد الله (إبراهيم الحجاج)، الذي تجاوز الثلاثين، للزواج بضغط وبحث من أمه (فاطمة الشريف)، دون أن يعثر على فتاة مناسبة، إلى أن يكتشف في نهاية المطاف أنه يحب زميلته ومنافسته أروى (أيدا القصي) ويتزوجان في نهاية الحلقات.

مع هذا النجاح كان من المتوقع والمنتظر صنع موسم ثانٍ، ولكن بعد أن تزوج كل من عبد الله أروى، ومن ثم ننتقل من مصاعب الحصول على شريك حياة إلى مصاعب الحياة مع الشريك.

صنّاع النجاح وقالبه

في موسمه الجديد، الذي يتكون من 30 حلقة تعرض على منصة “شاهد” وقنوات MBC، يتتبع “يوميات رجل متزوج” حياة عبد الله وأروى في حلقات متصلة منفصلة تتبع القالب الدرامي والاسلوب نفسه، بفريق العمل الأساسي نفسه، من المؤلف نواف المهنا (وورشة التأليف المصاحبة له) والمخرج عبد الرحمن السمان وحتى فريق الممثلين.

بداية تظل الدوائر الاجتماعية التي تدور فيها الأحداث متشابهة: بيت عبد الله وأسرته المكونة من أمه وأبيه (سعيد صالح) وأختيه نوف (فتون الجار الله) ومي (ريم صفية)، مع وجود فرعي لأسرة أروى، وأسرة نوف.

الدائرة الثانية هي محل عمل عبد الله وأروى، المحطة الفضائية التي يعملان فيها، والتي تضم عدداً كبيراً من الزملاء والزميلات. من هؤلاء المدير فهد (فيصل الدوخي) وماجد (نواف الشبيلي) وعصام (حكيم جمعة). والثلاثة، بالإضافة إلى عبد الله، يشكلون “شلة” أصدقاء، خارج محل العمل.

وهذه “الشلة” تمثل دائرة ثالثة تتحرك فيها الدراما والأحداث، إذ لديهم بيت خاص للعب واللهو، ويتبادلون الشكاوى والنصائح، كان لهم مساحة كبيرة في الموسم الأول، ولكن هذه المرة، بعد زواج عبد الله وانشغاله بعروسه، تقلصت مساحة وجودهم إلى حد كبير، ربما باستثناء الحلقة التي يفقد فيها عبد الله دبلة زواجه، ويحاول استعادتها مع أصدقاءه، والحلقة التي يقرر فيها فهد، وهو أيضاً ابن خالة عبد الله، أن يتزوج مجدداً بعد سلسلة من الزيجات والخِطب (جمع خِطبة) الفاشلة.

الدائرة الرابعة (أو الأولى بالطبع) هي حياة عبد الله وأروى معاً، التي تمثل محور الموسم الثاني وتركز على يوميات الزوجين بما تتعرض له من مشاكل أو مواقف طريفة غالباً تحدث لهما، وأحياناً تحدث لمن حولهما.

منطق الـ”سيت كوم”

يتكون العمل من حلقات منفصلة، متصلة تحت مظلة الشخصيات والأماكن الواحدة، من الواضح أنها كتبت بشكلٍ منفصل من خلال فريق ورشة الكتابة ثم تم لصقها معاً ببعض الخيوط والروابط، ولكن يظل لكل حلقة موضوعها وبدايتها ونهايتها، وكثير من هذه الحلقات يمكن أن تعرض في أي ترتيب مختلف.

ويمثل هذا نقطة قوة وضعف في آن، فمن ناحية لا يحتاج المتفرج إلى مشاهدة كل الحلقات وبالترتيب، ويوفر تنوعاً في الموضوعات وحتى أساليب معالجة هذه الموضوعات، وبحكم طبيعته الكوميدية يبدو العمل مثل قالب الـ”سيت كوم”، الذي يبنى بالطريقة نفسها.

وبالفعل هناك تشابهات كثيرة جداً على مستوى الكتابة والإخراج والتمثيل بين “يوميات رجل متزوج” ومسلسلات الـ”سيت كوم”..خاصة مع الفواصل الموسيقية الإعلانية القصيرة التي تتخلل كل حلقة.

من ناحية ثانية تتفاوت الحلقات في مستواها الفني والترفيهي، بعضها محكم الكتابة و/ أو بالغ المرح، وبعضها يعاني من مشاكل في الكتابة و/ أو نقص في جرعة الكوميديا، أو بعيدة بدرجة أو أخرى عن الثيمة الأساسية للعمل، وهي يوميات الحياة الزوجية.

بعد الحلقة الأولى “عوداً حميداً (شهر عسل)” التي يعود فيها عبد الله وأروى من رحلة شهر العسل ليكتشفا أن منزل الزوجية لا يصلح للإقامة، فيضطران إلى العيش في منزل عائلة عبد الله، وما ينتج من توترات ومشاكل نتيجة ذلك، تبدأ هذه المشاكل من الحلقة الثانية “مساحتي الشخصية”، عندما تحضر أروى قططها إلى البيت، غير مدركة أن أم عبد الله تعاني من حساسية تجاهها. 

في عالمنا العربي كثيراً ما يصبح أهل الزوج والزوجة جزءاً من حياة الزوجين، بداية من التدخل في حياة أبناءهم ونهاية بتبادل العداء فيما بينهم. وبعض حلقات “يوميات رجل متزوج” تستعرض العداء بين والدي عبد الله وأروى، وما يتسبب به من معارك عبثية، ويظهر ذلك جلياً في الحلقة الثالثة “الحمد لله على السلامة” التي يقرر فيها كل منهما إقامة حفل عشاء بمناسبة عودة الزوجين من شهر العسل، ولكن في التوقيت نفسه، مع إصرار كل مهما على عدم تغيير الموعد.

الزوجة والأم والحماة

رغم أن بطل العمل رجل، لكن النساء في “يوميات رجل متزوج” هن الأكثر قوة وتحريكاً للدراما، من أروى إلى نوف وصولاً إلى أم عبد الله، وتشغل فاطمة الشريف في شخصية أم عبد الله مساحة كبيرة من العمل (ربما تكون أقل من مساحة دورها في الموسم الأول، ولكنها تظل كبيرة ومهمة)، وفي الحقيقة يعتمد “يوميات رجل متزوج” بشكلٍ كبير على حضور وطبيعية وخفة دم الشريف، خاصة في المشاهد التي تجمعها بزوجها سعيد صالح، والإثنان معاً يشكلان ثنائياً رائعاً تعتمد عليه الكثير من الحلقات.

شخصية الأم مهمة أيضاً لإن علاقتها بعبد الله ذات أثر هائل على شخصيته وعلاقته بزوجته، ويستغلها صناع العمل على مستويين: اعطاء عمق نفسي لشخصية البطل، والثاني لإثارة الكثير من المواقف الضاحكة.

وتصبح فاطمة الشريف في دور الحماة محورً لعدد من الحلقات مثل الحلقتين الرابعة والخامسة، في واحدة منهما تستعرض زوجة ابنها في كل مناسبة ممكنة، وفي الأخرى تنسى أن ابنها قد تزوج وتظل تسأل عن الفتيات اللواتي يصلحن للزواج، مما يجعل الناس تعتقد أنها تبحث عن زوجة جديدة له!

بين المنطق وغيابه

ينجح “يوميات رجل متزوج” عندما يحافظ على “واقعيته” و”منطقيته” المستمدة من فكرته الأصلية، والتي تعتمد على اليوميات الصحفية التي كتبها وليد خليل تحت عنوان “يوميات رجل عانس”، والتي استعرض فيها عادات وصعوبات الارتباط في المملكة خلال العقد الأول من القرن الجديد، وكان من أسباب نجاحها ارتباطها بالواقع وحسها الكوميدي والنقدي في الوقت نفسه، وهو من الأعمال التي تحافظ دوماً على الشعرة بين السخرية من الأمر الواقع، وتكريسه!

تحافظ بعض حلقات “يوميات رجل متزوج” على الارتباط بالواقع، وبعضها يجنح وراء البحث عن فكرة وضحكة، في حلقة بعنوان “مستشار شوفات شرعية” يتحول عبد الله فجأة إلى خبير في الشوفات الشرعية، ربما لإنه قضى زمناً طويلاً في البحث عن عروس ويعرف ظواهر وبواطن هذا العالم، الفكرة جيدة جداً، ولكن معالجتها جاءت متعجلة ومسطحة، كما أنها تبتر فجأة بنهاية الحلقة، مع أنها كانت تستحق العمل عليها لعدة حلقات، وربما طبيعة الحلقات المنفصلة التي يكتبها أشخاص عديدون حالت دون ذلك.

مثال آخر من حلقة “زوج صديقة زوجتي صديقي” التي تعالج موضوعاً واقعياً ومنتشراً، وهو أصدقاء الزوجة (أو الزوج) الذين يصبحون بالضرورة داخل دائرة معارف الطرف الثاني. في الحلقة تطلب أروى من عبد الله أن يصادق زوج واحدة من صديقاتها المقربات، المشكلة أنه لا يجد أي قواسم مشتركة بينهما، ولكن عندما تظهر اهتمامات مشتركة وهي حبهما للموسيقى يصبح الإثنان أصدقاءً مقربين، والمشكلة الأكبر تحدث عندما تتشاجر أروى مع صديقتها وتقطع علاقتها بها، فتطلب من عبد الله قطع علاقته بالصديق.

في هذه الحلقة أيضاً يظهر لدى عبد الله موهبة جديدة (مثل موهبة الاستشارات العاطفية في الحلقة السابقة)، ولكنها هذه المرة أنه عازف جيتار محترف قادر على تكوين فرقة موسيقية محترفة (مع زوج الصديقة الموهوب كمغني)، ومع نهاية الحلقة تختفي موهبة عبد الله وشغفه بالموسيقى فجأة كما ظهرا.

أجمل الحلقات

كما أشرت، بعض الحلقات مرتبط بالثيمة الأساسية ومتفرع عنها بمنطقية، مثل حلقة ضياع الدبلة، أو حلقة عيد الأم والهدايا التي يجب احضارها للأمهات والزوجات، أو حلقة “معركة ذات الملابس” التي يقرر فيها عبد الله، مغتراً بنجاحه المهني، أن يغير اسلوب ملبسه، ما يثير غيرة أروى. أو حلقة “تسوق الكتروني stop loss” التي تدور حول إسراف أروى وإدمانها للتسوق، ما يهدد الاستقرار المالي للأسرة.

ومن أجمل حلقات المسلسل حلقتان تتعرضان لصناعة الأفلام والمسلسلات، وعلاقتها بالواقع. الأولى بعنوان “وثائقي من عالم افتراضي”، ورغم عنوانها الغريب تدور الحلقة ببساطة حول قيام مي، الأخت الصغري لعبد الله، بعمل فيلم وثائقي للكلية التي تدرس بها عن العلاقات الزوجية في العائلة.

كل هذه الزيجات (عبد الله وأروى، والدا عبد الله، الأخت الكبرى نوف وزوجها) تعاني من سوء العلاقة بين الزوجين وتبدو على وشك الانهيار في أية لحظة. ولكن مي التي تسعى إلى المضي وراء المظهر وسبر المشاعر الحقيقية لأقاربها، تكتشف، وتكشف لنا، أنهم، خلف العناد وتبادل الاتهامات، متحابون ولا يستطيعون الاستغناء عن بعضهم البعض، هذه واحدة من أكثر الحلقات جمالاً وإنسانية، وكوميدية أيضاً. 

الحلقة الثانية التي تلعب على ثيمة فيلم داخل الفيلم، أو مسلسل داخل المسلسل، تحمل عنوان “ألف خطبة وخطبة”، وتدور حول قيام أحد صناع المسلسلات باستلهام حياة عبد الله (أيام بحثه المضني عن زوجة) لعمل مسلسل!

هنا يتحول عبد الله من شخصية خيالية إلى شخصية واقعية يصنع عنها عمل خيالي، وهنا أيضاً، يتحول كاتب اليوميات، الذي استلهم منه العمل، من شخصية واقعية إلى شخصية خيالية داخل المسلسل!

الحلقة شديدة اللطف والتركيب، وتنتهي بشكل جميل عندما يتوقف عبد الله عن الاعتراض على ما يعتقد أنه “تشويه” لشخصيته وحياته، ويقرر أن يبيع قصته للمنتج لكي تتحول إلى مسلسل.

بعيداً عن الموضوع

التنوع والتفاوت بين الحلقات كبير، وهو شيء إيجابي أحياناً، إذ يعطي تنوعاً محبباً في الأفكار والمعالجات، مثل حلقة “لطيفة المراهقة” التي تفقد فيها الأم ذاكرتها بشكل مؤقت فتعود إلى سنوات مراهقتها، أو حلقة “شوفة مي” التي يكلف فيها عبد الله باستقبال خطيب لأخته، وللمرة الأولى يمكنه رؤية عادة “الشوفة” من الزاوية الأخرى، أو حلقة “إلى العلا” التي تخرج فيها الكاميرا من البيت لزيارة منطقة العلا السياحية، هذه الحلقات الثلاث كانت تحتاج فقط إلى تطوير وتحسين الكتابة لتخرج بشكل أفضل.

ويبدو أن نجاح شخصية عاملة المنزل الإندونيسية التي أصبحت جزءاً من العائلة، والتي ظهرت في الموسم الأول، قد نالت استحسان صناع المسلسل إلى حد أنهم قرروا جعلها محور حلقتين كاملتين هما “حرب أهلية” التي تتشاجر فيها مع عاملة منزل آخر، و”أحسن الله عزائكم” التي يتحول فيها المنزل إلى دار عزاء لجد حليمة، ولكنهما من أضعف حلقات المسلسل وأكثرهما بعداً عن الثيمة المحورية.

يظل “يوميات رجل متزوج” واحداً من أفضل أعمال الموسم الكوميدية، وقد مر ثلثا الشهر بالفعل، لم يزل المشاهدون يأملون أن تأتي الحلقات القادمة بالأفضل!

*ناقد فني