ما زالت الأعمال السينمائية المقتبسة عن روايات من الأدب الكلاسيكي تجذب العاملين في هذ القطاع، وتثير شهيتهم لتقديم زمن الأبيض والأسود بألوان الشاشة الزاهية، ولعل ما يدفعهم لهذا التوجه شيء من الحنين والعودة إلى الجذور القريبة، وقد يكون الدافع غير ذلك تماما، ومرتبط أكثر بالجانب الاقتصادي وتحقيق النجاح والأرباح، فالعمل الذي نحن بصدده حاز اهتماما كبيرا من قبل الفنون الأدائية والموسيقيّة والدراما، وأُنتج للسينما أربع مرات، وأُخرج للمسرح كمسرحية كلاسيكية وأخرى راقصة وأخرى غنائية، وأيضا كان للأوبرا والقصص المصوّرة نصيب منه. الفيلم مأخوذ عن رواية للكاتب الإنكليزي توماس هاردي (1840-1928) الذي ركّز في أعماله على الريف الإنكليزي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وهو من إخراج توماس فنتربيرغ عام 2015.

    العنوان

    في مقاربة العنوان تنكشف نوايا الكاتب الذي نزع إلى تمجيد الهدوء والسكون وطبيعة الحياة في الريف، الذي اتهمه كثيرون بالملل والبطء والسذاجة، بينما قصده آخرون هربا من صخب المدينة وضجيجها المرهق. اشتمل الفيلم على مشهديّة بصريّة عالية تعكس حساسية الريف ومفرداته من طبيعة خلّابة وأمطار غزيرة ومزارع وأغنام ومنازل وحظائر وفلاحين بسطاء وعلاقتهم بالأرض، والعمل وأصحاب الأطيان؛ فالمجتمع في ذلك الوقت ما زال فيه شيء من بقايا الإقطاعية التي تحوّلت إلى بورجوازية جديدة؛ فهناك العامل، وهناك صاحب العمل وما بينهما من مصالح وتجاذب وتنافر.

    واقعية رومانسية
    لا شك أنّ المرحلة التي نُشرت فيها الرواية (1874) أثّرت في بنائها وصبغتها الرومانسية ومنطلقها الواقعي، فنحن نتحدث عن زمن ساد فيه الأدب الرومانسي الذي يمّجد الحب والجمال والأخلاق ويكرّس فطرة الإنسان للخير، الذي لا بدّ أن ينتصر في النهاية، كل هذا في إطار واقعي يصوّر الحياة التي يعرفها الكاتب جيّدا فهو هنا يتحدث عن الريف الإنكليزي مسقط رأسه الذي قرّر أن يستقرّ فيه بعد أن جرّب الحياة في لندن، ولم ترقه بما فيها من نفاق ورياء وتصنّع الطبقة الأرستقراطية.

    الشخصيات

    تدور أحداث الفيلم حول شخصية باثشيبا إيفردين (كاري موليغان)، الفتاة الجميلة – صاحبة الشخصية المستقلّة – التي ورثت مزرعة عن عمها المتوفى، فتنتقل للعيش فيها وإدارتها. ترفض الزواج التقليدي الذي لا يشتمل على مشاعر جيّاشة تغنيها عن استقلاليتها التي ستخسرها، تبحث عن رابط قوي بينها وبين من سترتبط به لذلك ترفض عرض الزواج الأول الذي جاءها من غابرييل أوك (ماتياس شونيرتس) الفلاح المجتهد والطموح، الذي يتعرض للإفلاس نتيجة لفقد أغنامه في حادث مؤسف تسبب به كلب طائش فيضطر للعمل في مزرعة باثشيبا الجديدة بعد أن ساعد في إطفاء حريق نشب بالمزرعة وكاد يقضي عليها.
    وهنا تجدر الإشارة إلى طبيعة العلاقات بين الناس وما يسودها من مظاهر الاحترام والتّحفّظ، سواء في الأقوال أو الأفعال؛ فأسس التخاطب بين الناس رسمية، وأي خلل بها ينم عن قلة الذوق والمحتّد الوضيع. كما ظهر الحب كلاسيكيّا وامتدادا للعصر الفيكتوري برزانته، على الرغم من المشاعر القوية التي يحملها وليام بولدوود (مايكل شين) صاحب المزرعة المجاورة لباثشيبا. يتعلّق بها بعد أن أرسلت له بطاقة في عيد الحب، وكانت تقصد مشاكسته أكثر من أي شيء آخر، لكن الأربعيني الأعزب يظل على تودّده وتقرّبه منها، حتى عندما رفضت عرضه للزواج. وتظهر أيضا مشاعر النبل بين العاشقين المتنافسين غابرييل أوك رئيس العمال في مزرعة باثشيبا وجارها وليام بولدوود. ويبقى أن نقدّم شخصية الرقيب فرانك تروي (توم ستوريج) حتى تكتمل الدائرة وندرك تأثير كل العناصر الحكائيّة والشخصيّات التي تشكل عالم باثشيبا ايفردين، وهو رقيب متهور وخرج للتو من علاقة حب ومحاولة زواج باءت بالفشل بسبب سوء تفاهم بسيط حول اسم الكنيسة التي سيتزوجان فيها، فالزوجة المفترضة ذهبت إلى كنيسة أخرى غير التي انتظرها فيها الرقيب.

    خيبة أمل

    كيف أقنع الرقيب تروي باثشيبا بالزواج وهو ما هو عليه من الاستهتار والتّبطّل وهي المرأة القوية والمسؤولة والمنتجة؟ هل وجدت فيه ما لم تجده في غابرييل ووليام؟ يتضح لاحقا أنها أسأت الاختيار وأن زيه العسكري الأحمر البرّاق وسيفه الحاد الذي يتدلّى على جنبه ليسا سوى صورة خادعة لرجل خائب ما زال متعلقا بحبيبته السابقة التي تموت وجنينها في ظروف بائسة من التعب والإرهاق، فيعمد إلى محاولة الانتحار غرقا. رحلة البحث عن الحب لا بدّ أن تشوبها مطبّات كثيرة فباثشيبا رفضت الحب وعرضي الزواج اللذين قدّمهما كل من غابرييل ووليام، وظنّت أنّ الحب سيأتيها كالصاعقة التي ستحرق كل شيء، ما عدا مشاعرها تجاه من تحب. ربما هي فكرة ساذجة عن الحب، وعن حبيب يحسن الكلام كما يحسن استخدام السيف لكن لا شيء أكثر. انبهرت بزيّه وحديثه ولم ترَ حقيقته المرّة، لكنّها ليست المرأة الغبيّة أو المستسلمة، أدركت ما حدث ثم تدخّل القدر لينقذها من فرانك مرتين؛ الأولى عندما ظن الجميع أنّه غرق واختفى من حياتها، لكنّه عاد إليها بعد أن أنقذه بعض الصيّادين، عاد ليعكّر حياتها من جديد فوجد الجار العاشق في انتظاره فأطلق النار عليه وأرداه لتصبح فرصة غابرييل وباثشيبا سانحة من جديد بعد رحلة طويلة وشاقّة تكلّلت بالعودة إلى نقطة البداية، لكن بخبرة حياتية وتجارب مريرة ورؤية مختلفة أدركت باثشيبا على إثرها معنى الحب الذي تريد.

    الفيلم والرواية
    يتكرّر هذا الأمر في كل الأفلام المقتبسة عن روايات، وهو عدم تطابق رؤية الروائي والمخرج فالعمل الدرامي يحتاج لبعض التعديلات، خاصة عند الحديث عن أعمال كلاسيكية طويلة، قد لا تناسب الشاشة التي تقدّم الرواية بصريا في حوالي ساعتين، فيكون هناك حذف لبعض الشخصيّات، وربما الأحداث، ولكن الأخطر من هذا هو أسلوب معالجة بعض الجزئيّات التي تكون أقل إقناعا كما حدث في حادثة إطلاق النار على فرانك من قبل العاشق الغيور، فظهر في الرواية حقيقة مشاعره تجاه الرقيب المستهتر، الذي سلبه حب حياته في المرة الأولى، ثم عاد فجأة ليكرّر فعلته، فأطلق النار عليه وهو يحاول دفع باثشيبا للعودة إلى المنزل بالقوة، ولكن هذا لا ينفي بأي حال من الأحوال الأداء القوي لكاري موليغان التي جسّدت دور باثشيبا وحوّلت كلمات توماس هاردي إلى صورة من لحم ودم، ولا ينفي أيضا العلاقة التكامليّة بين السينما والرواية، حيث تقدّم كل منهما العمل برؤية مختلفة وأدوات متفاوتة بصريا وتقنيّا وإبداعيّا.

    كاتب أردني