بعد توقف استمر لشهور، عادت سلسلة “من المسرح العالمي” (المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت)، إلى الصدور ورقياً، بمسرحية للكاتب الإيراني المعاصر عباس نعلبنديان “ماذا لو ظفر فاوست بقدرٍ من الولاء”، مترجمة من الفارسية إلى العربية بواسطة الأستاذة في قسم اللغات الشرقية في كلية الآداب في جامعة عين شمس شيرين خيري، ومراجعة المترجم الإيراني سمير أرشدي، الذي يعمل أستاذاً للغة الفارسية منذ عام 2001 في كلية الآداب في جامعة الكويت. وهذه المسرحية صدرت بالفارسية عام 1969، لكن مضمونها المتماس مع معالجات شتى لأسطورة “فاوست” التي قدمها للعالم للمرة الأولى الألماني جيسون كولافيتو عام 1587، يجعلها عموماً جديرة، ويجعل نشر ترجمتها إلى العربية في ظل الوضع الراهن على الساحة الإيرانية المشتعلة، أمراً جديراً باهتمام القارئ العربي الذي قلما يجد نافذة مفتوحة على الأدب الإيراني المعاصر، لقلة المترجم منه إلى لغة الضاد نسبياً.
في كلمة أحدث أعداد سلسلة من المسرح العالمي، العدد 422، لاحظت مستشارة السلسلة الدكتورة سعداء الدعَّاس، أن نعلبنديان عالج أسطورة “فاوست” بروح شرقية وتقنيات عبثية وأجواء مغايرة لتلك التي اتكأت عليها معالجات غربية وشرقية سابقة، معتبرة أن تلك الأسطورة لا تزال تأسر القارئ منذ أن قدمها جيسون كولافيتو للعالم في القرن السادس عشر. وأوضحت الدعاس أنه رغم قلة أعمال نعلبنديان المسرحية، يدرك متابعه، الأثر الذي خلَّفه منجزه على المستوى العالمي، وعلى المستوى المحلي/ الإيراني بخاصة. وخلصت إلى أن هذه المسرحية تبلور رحلة إنسانية عميقة، تشتبك مع ذواتنا التي تغرق في التساؤلات، عبر حكاية ملغمة بالشيفرات، عباراتها تكتظ بالإحالات، لبطل تاه بين المسارات، فمن ينصح من؟ ومن يقود من؟ نص عبثي يتكئ على أصل معلوم، وحدث مجهول يشعل أفق التوقع، يتماس والمعالجات السابقة، من دون تطابق، ويتقاطع مع الأسطورة المعروفة من دون أن ينسلخ من هويته وخصوصيته.
اغتراب وعزلة
وبحسب شيرين خيري، صاحبة كتاب “المعرَّب والمولَّد والدخيل من اللغة الفارسية في اللغة العربية”، فإن معالجة عباس نعلبنديان لأسطورة “فاوست”، جاءت مختلفة عن المعالجات السابقة، لتركز على مأساة اغتراب الإنسان المعاصر وعزلته، انطلاقاً من الحالة الإيرانية. أما مارلو فقد قدم نموذجاً للإنسان الساعي إلى القوة والكمال بوسائل خارجة عن الطبيعة وهي السحر. وتناول غوته الأسطورة ذاتها تناولاً فلسفياً، إذ اعتبر “فاوست” – كما تقول خيري – قصة الجنس البشري كله، وعبَّر بها فاليري عن مأساة العصر الحديث، عصر القلق والفوضى، أما أونيل، فعبَّر بها عن الإنسان الضائع المشتَّت بين مذاهب شتى، الفاقد لمعنى الحياة، القابع خلف أقنعة زائفة، ولا سبيل إلى الخلاص من هذا التشتت والضياع الروحي والفكري إلا بالعودة إلى الإيمان.
وتضيف خيري أن المعالجات الشرقية – سواء العربية أم التركية – استعارت الهيكل، وصبَّت فيه النموذج الفاوستي، إما بأسلمته، أي إضفاء الصبغة الإسلامية عليه، مثل علي أحمد باكثير وحامد إبراهيم في العربية، ونجيب فاضل في التركية، أو باستلهام الفكرة وصبغها بصبغة اجتماعية أو أخلاقية، مثلما فعل توفيق الحكيم في العربية، وحسين جاويد في التركية.

غلاف الترجمة العربية من المسرحية.
أما نعلبنديان، فقد عالج من خلال مسرحيته هذه مأساة العصر الحديث، أو أزمة العصر كله المتمثلة في المدنية الحديثة التي قضت على إنسانية الإنسان، وأغرقته في سيول من الدماء. ويضاف إلى ما سبق أن نعلبنديان، استعان في مسرحيته بشخصيات لم تسبق الاستعانة بها في أي معالجة غربية كانت أو شرقية. فقد استعان مثلاً بدون كيشوت، الفارس المزيف، ويهوذا الأسخريوطي الخائن الأعظم، كما وظَّف العديد من الأساطير، مثل أسطورتي سيزيف وميداس.
نقد سياسي
تتألف المسرحية من فصلين؛ يحوي كل فصل منهما ثلاثة مشاهد، تدور حول السيد “ص. ص. م”، الذي يريد أن يلتقي الشيطان ليعقد معه صفقة مثل صفقة فاوست. في هذا النص ينتقد نعلينديان الوضع السياسي والاجتماعي والاقتصادي المؤلم في إيران إبان تلك الفترة، من خلال رؤية عبثية لمأساة فاوست وعبر تصوير حياة الإنسان على أنها عبث محض.
أما سمير أرشدي صاحب كتابي “أصفهان قرنفلة الحضارة الإسلامية” (مؤسسة البابطين) و”العربية ودورها في إثراء اللغة الفارسية” (رابطة الصداقة الكويتية الإيرانية)، فرأى أن هذه المسرحية تنتمي إلى مسرح اللامعقول ذي الطابع الفلسفي المجرد الذي يتحدى عقلانية الإنسان بأحداث غير منطقية مشتتة غالباً، تهدف بشكل خاص إلى إشعال التساؤلات الوجودية في ذهنه، ووضعه مجدداً أمام همه البدائي الأول: معنى وجوده وغايته. ولاحظ أرشدي أن نعلبنديان، بدأ من حيث انتهت معالجة غوته من أن فاوست ظفر بالخلاص، فيقدم تصوراً لحاله كإنسان، عالم ومغامر، وصراعه مع النعيم المغلَّف باللاجدوى.
صفقة مع الشيطان
ويقول أرشدي في هذا السياق: “اللاجدوى بذاتها هي نقطة انطلاق المؤلف في عرض نظرته للوجود الإنساني الذي تحيط به أسئلة لا يمكن للعقل البشري الإجابة عنها: أي مصير لا مفر منه؟، عل الموت والحياة مجرد معاناة مستمرة واضطراب لا نهاية له للروح؟، وماذا بعد؟ ورأى أن مثل هذه الأسئلة التي كثيراً ما تتردد في حوارات المسرحية، تعكس بالدرجة الأولى القلق الوجودي الذي يهيمن على شخصياتها، ابتداءً من فاوست الذي دفعه قلقه من الفناء المحتوم إلى عقد صفقة مع الشيطان، وانتهاءً بالسيد “ص. ص. م” الذي تجاوز قلقه الوجودي حدود الأرض ودفعه إلى الانتحار تارة، وإلى الهرب تارة أخرى، وإلى العبور إلى النعيم حيناً، وإلى مفاوضة الشيطان حيناً آخر، وإلى الاحتفال بإخفاقه مع أصدقائه الوهميين أخيراً.
وعباس نعلبنديان الذي مات منتحراً عم 1989، ولد في طهران عام 1947، نال جائزة مهرجان شيراز للفنون وهو في سن الـ 19. وهو عموماً كان كثيراً ما يفضل أن تكون عناوين أعماله طويلة، ومنها مسرحية: “لنضع كرسياً بجانب النافذة ونجلس وننظر إلى ليل الصحراء الطويل المظلم والصامت والبارد”. وله أيضاً مسرحيات “قصة غريبة عن رحلة سعيدة”، “فجأة”، “قصص الحب والموت”، و”خماسية”.
