“المحافظة 15” من بطولة كارين رزق الله وتأليفها (فيسبوك)
لا تستطيع الدراما أن تتخلى عن منطقها الداخلي أو تتحول إلى طرف مباشر في السجال السياسي؛ فهي، في جوهرها، فنّ سردي يقوم على بناء الحكاية وتطوير الشخصيات ضمن رؤية إنسانية وجمالية. من هذا المنطلق، تمكن مقاربة رواية الممثلة اللبنانية كارين رزق الله “المحافظة 15” التي تحولت إلى مسلسل من ثلاثين حلقة يُعرض في الموسم الرمضاني الحالي.
لطالما عانت الدراما اللبنانية صعوبة في ترسيخ موقع ثابت لها على سلّم المنافسة عربياً. الأسباب متعددة، لكن يمكن اختصارها في نزعة متكررة لدى بعض الكتّاب والمنتجين والممثلين إلى التعامل مع العمل الدرامي، بوصفه مشروعاً شخصياً أكثر منه عملاً فنياً جماعياً. وغالباً ما يؤدي ذلك إلى تهميش عناصر أساسية في الصناعة الدرامية، من بناء النص وتطوير الشخصيات إلى الإخراج والإنتاج، ما ينعكس ضعفاً في النتيجة النهائية.
في “المحافظة 15” يبدو واضحاً أن كارين رزق الله، بوصفها كاتبة العمل وبطلته، تحاول استعادة تجربة شخصية أو جماعية مرتبطة بسنوات الوجود العسكري السوري في لبنان، وهي تجربة عاشها اللبنانيون بوجوه متعددة لأكثر من ثلاثة عقود. غير أن تحويل هذه الذاكرة إلى عمل درامي يحتاج إلى معالجة أعقد وأكثر توازناً من مجرد استعادة الأحداث من زاوية واحدة أو الاكتفاء بموقع الضحية.
تدور القصة حول منية (كارين رزق الله) التي تستقبل بفرح عودة فؤاد (يورغو شلهوب) من معتقل صيدنايا بعد سقوط النظام السوري. غير أن تطور الأحداث يبدو في كثير من الأحيان مفتعلاً، وكأنه كُتب لاستكمال ثلاثين حلقة أكثر مما هو نتاج تطور طبيعي للحبكة الدرامية. مع تقدم الحلقات، تتزايد الأسئلة حول مصادر التفاصيل المرتبطة بحياة المعتقلين داخل سجن صيدنايا، وحول مدى قدرة هذه التفاصيل، حتى لو كانت مسرّبة أو مستندة إلى شهادات، على التحول إلى سردية درامية متماسكة من وجهة نظر أحادية.
يفتقر “المحافظة 15” في أكثر من موضع إلى الحرفية المطلوبة في بناء الحبكة، كما أن جمع كارين رزق الله بين الكتابة والبطولة لم يكن دائماً في مصلحة العمل. يضاف إلى ذلك أن إخراج سمير حبشي، على الرغم من خبرته الطويلة، بدا تقليدياً في معالجته البصرية والدرامية، من دون تطوير ملحوظ في الأسلوب، ما ساهم في إضعاف إيقاع المسلسل وإبعاده عن منافسة الأعمال الأخرى.
في الوقت نفسه، تبدو قضية المعتقلين في السجون السورية مطروحة في المسلسل طرحاً مباشراً ومبسّطاً، وأقرب إلى تسجيل موقف سياسي منها إلى بناء درامي متعدد الطبقات. فالمعالجة تميل أحياناً إلى استعادة الماضي بروح انتقامية من حقبة حكم آل الأسد، بدلاً من تحويل هذه الذاكرة الثقيلة إلى مادة درامية قادرة على مساءلة التاريخ وفهم تعقيداته الإنسانية والسياسية.
كما أن ميول الكاتبة السياسية تظهر بوضوح في اللغة والمفردات والحوار، وفي بعض المسارات الدرامية، ما يجعل العمل يبدو منحازاً إلى رؤية سياسية محددة، بدلاً من أن يفتح المجال لقراءة أشمل لتلك المرحلة. الدراما، في أفضل حالاتها، لا تكتفي بتبني موقف، بل تحاول أن تحوّل الوقائع إلى قصة إنسانية قادرة على استيعاب التناقضات.
إنتاجياً، واجه “المحافظة 15” تحديات منذ البداية. فشركة مروى غروب لم تكن متجهة في الأصل إلى تنفيذ مسلسل من ثلاثين حلقة يضم ممثلين لبنانيين وسوريين، قبل أن يتغير الوضع مع توفر دعم مالي ساهمت فيه قناة إم تي في اللبنانية، التي تتولى عرض المسلسل حصرياً. ومع ذلك، لم تنجح الإمكانات الإنتاجية بالكامل في تعويض الثغرات الموجودة في النص والمعالجة الدرامية.
في المحصلة، يبدو “المحافظة 15” محاولة درامية للعودة إلى حقبة سياسية حساسة في تاريخ لبنان وسورية، مستندة إلى قضية إنسانية مؤلمة هي قضية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية. غير أن العمل، رغم جرأته في اختيار الموضوع، لم ينجح تماماً في تحويل هذه المأساة إلى دراما متماسكة يمكن أن تبقى بوصفها شهادة فنية متوازنة على تلك المرحلة.
