حرب أميركا وإسرائيل على إيران كشفت عن أن لبنان لا يزال في الأسر، من حيث تصور أنه خرج منه بعد “حرب الإسناد” لغزة التي بدأها “حزب الله”. كان التصور قائماً على أمرين مترابطين: أولهما حدوث تحولات دراماتيكية هائلة في الشرق الأوسط. وثانيهما تبدل موازين القوى وموازين المصالح في لبنان.

التحولات قادت إليها عملية عسكرية ناجحة زلزلت إسرائيل بنيت على خطأ استراتيجي في الحسابات هي “طوفان الأقصى” على يد “حماس”، إذ ردت إسرائيل بحرب دمرت غزة ونقلت الاستراتيجية العسكرية من “الردع إلى الحسم”، كذلك ردت بحرب على “حزب الله” الذي ارتكب غلطة استراتيجية هي “حرب الإسناد” الكارثية عليه وعلى بيئته ولبنان، ثم فتحت التحولات الطريق لإكمال الانهيار في نظام الأسد في سوريا على يد فصيل سلفي جهادي دعمته تركيا وأميركا، وتركت روسيا دمشق مفتوحة أمامه، ولم تجد إيران وأذرعها ما تفعله سوى الهرب.

وهذا ما شجع بنيامين نتنياهو على ضرب الرأس في طهران بعد ضرب الأطراف وشاركه الرئيس دونالد ترمب بقصف المنشآت النووية في حرب إيران الأولى في يونیو (حزيران) الماضي. وتبدل الموازين في لبنان عبر نشوء كتلة شعبية من أكثرية الطوائف تريد بناء مشروع الدولة وإنهاء سلاح “الدويلة” خارج الشرعية، ومن خلال قوة عربية ودولية لعبت الدور الأكبر فيها أميركا والسعودية. وهكذا صار بالإمكان إنهاء الشغور الرئاسي بانتخاب رئيس من خارج اللعبة التقليدية هو قائد الجيش العماد جوزاف عون، والمجيء برئيس حكومة من خارج النادي الحكومي التقليدي هو الدكتور نواف سلام، وتأليف حكومة لا سيطرة فيها لجماعة السلاح.

وبالاستناد إلى خطاب القسم الذي ألقاه رئيس الجمهورية في البرلمان واعداً بتحقيق حق الدولة في حصرية السلاح، وإلى البيان الوزاري للحكومة، وطبعاً إلى الدعم الدولي والعربي، بدأ مجلس الوزراء يتصرف على أساس أن لبنان خرج بالفعل من الأسر، لكنه في الواقع وجد نفسه رهينة لدى “حزب الله” بالتالي لدى إيران. فقرار سحب السلاح رفضه “الحزب” واعتبره “خطيئة”، مطالباً بالعودة عنها مع التسليم الشكلي بسحب السلاح غير الشرعي من جنوب الليطاني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وحين بدأت أميركا وإسرائيل الحرب على الجمهورية الإسلامية واغتالت المرشد الأعلى علي خامنئي بالضربة الأولى، دخل “الحزب” الحرب دفاعاً عن إيران وثأراً للمرشد، واكتشف الجميع أنه لم يخرج إلا في الشكل من جنوب الليطاني، وأن أسلحته بقيت مخبأة هناك. وعندما قرر مجلس الوزراء حظر النشاطات العسكرية والأمنية للحزب واعتبارها خارجة عن القانون، جاء الرد توسيع القصف الصاروخي لإسرائيل من دون التفات إلى قرار الدولة والمزيد من التدمير والتهجير في لبنان.

يقول ولي نصر أستاذ الدراسات الشرق أوسطية في جامعة جونز هوبكنز إن قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني الذي اغتالته أميركا” لم يكن يوماً أيديولوجياً غير مرن”. فهو بعد 11 سبتمبر (أيلول) أعطى الأميركيين معلومات عن أعدائه “الطالبان”. وقال لخامنئي إن الجيش السوري غير نافع، وأنا أستطيع احتلال سوريا بفرقة من الباسيج، ونحن نضع حبة الدواء في فم الأسد وعندما ندير وجوهنا يبصق الحبة”.

ويعتقد ولي نصر صاحب کتاب “استراتيجية إيران الكبرى” أنه “لو بقي سليماني حياً لما سمح لحزب الله بالدخول في حرب الإسناد التي أضعفته”.

لكن سليماني كان إلى جانب السيد حسن نصرالله في قيادة المعركة ضد إسرائيل في حرب 2006. والضباط الإيرانيون الذين عملوا تحت قيادة سليماني يقودون اليوم مباشرة قصف إسرائيل بالصواريخ من لبنان تزامناً مع موجات القصف من إیران. فهم يلعبون الدور المطلوب من أذرع إيران ضمن استراتيجية “الردع المتقدم” لحماية الجمهورية الإسلامية، ولا يهمهم تدمير لبنان بغارات إسرائيلية مكثفة وتهجير أكثر من 800 ألف مواطن من بيئة “الحزب”. فالأولوية لإيران. والرئيس جوزاف عون أعلن بصراحة أن “صواريخ الحزب هي ممكن لتدمير الدولة من أجل إيران”.

والدولة تستطيع أن تأخذ قرارات مهمة، لكنها لا تستطيع أن تنفذ، بصرف النظر عن الإرادة. ولا أحد يعرف بين الساعين إلى هدنة إن كان ما يخدم التوصل إليها هو الربط أم فك الارتباط بين حرب لبنان وحرب إيران، لكن رئيس الجمهورية بالتفاهم مع رئيس الحكومة والغموض في موقف رئيس البرلمان طرح مبادرة من أربع نقاط لوقف الحرب: وقف الاعتداءات الإسرائيلية، ودعم الجيش بالإمكانات اللوجيستية، والسيطرة على مناطق التوتر وسحب السلاح، تزامناً مع مفاوضات مباشرة مع إسرائيل بإشراف دولي، وعملياً برعاية أميركية. غير أن الردود من واشنطن وتل أبيب لم تأت بحسب الافتراض. كان الرد الواضح هو: اسحبوا سلاح “حزب الله” فلا كلام قبله.

وهذا هو المأزق: لا وقف للحرب قبل سحب السلاح، ولا مجال لسحب السلاح ما دامت الحرب قائمة. لا تفاوض تحت النار كما تقول بيروت، ولا تفاوض إلا بالنار كما ترى أميركا وإسرائیل. شيء من الرهان على الدولة وجيشها، وشيء من تجاهل لبنان ووضع الدولة في حال انعدام الوزن. حرب إلى النهاية في لبنان وإیران ضمن خلل خطر في التوازن بين طهران و”حزب الله” من جهة وأميركا وإسرائيل من جهة أخرى، ورهان على “استسلام” إيران التي تراهن على “استسلام” أميركا وإسرائيل. والظاهر حتى الآن هو تدمير إيران ولبنان من دون التوصل إلى تسوية.