تتجه أنظار العالم إلى مسرح جوائز الأوسكار لمعرفة الفائزين بالتماثيل الذهبية، غير أن الحراك الحقيقي داخل صناعة السينما العالمية يبدأ قبل إعلان النتائج، وتحديدا مع الكشف عن قوائم الترشيحات.

وخلال موسم الجوائز لهذا العام، برز فيلم «Hamnet» بين أبرز الأعمال المتنافسة بعدما حصد ثمانية ترشيحات دفعة واحدة، في نتيجة تعكس حضورا متزايدا للإنتاج المرتبط بشركة RedBird IMI، إحدى شركات مجموعة IMI الإماراتية، التي توسع مشاركتها في صناعة المحتوى السينمائي العالمي.

قصة مستندة إلى حياة شكسبير

الفيلم مأخوذ عن الرواية الشهيرة «Hamnet: A Novel of the Plague» للكاتبة ماغي أوفاريل، ويستند إلى وقائع تاريخية محدودة تحيط بحياة الكاتب الإنجليزي ويليام شكسبير، ليقدم معالجة درامية متخيلة لإحدى اللحظات الأكثر تأثيرا في حياته، وهي وفاة ابنه الوحيد «هامنت»، التي تركت بصمة واضحة في مسيرته الإبداعية اللاحقة، ولا سيما في مسرحية «هاملت».

صدرت الرواية لأول مرة في 31 مارس/آذار 2020، في توقيت اعتبره البعض مصادفة لافتة، إذ تتناول الرواية حكاية متخيلة تنطلق من مجموعة حقائق تاريخية قليلة؛ من بينها أن هامنت شكسبير توفي عام 1596 وهو في الحادية عشرة من عمره، ويرجح أن سبب الوفاة كان الوباء المعروف لاحقا باسم الطاعون الأسود، وهو الوباء الذي اجتاح أوروبا في تلك الحقبة.

وبعد سنوات قليلة من تلك الحادثة، قدم والد الطفل واحدة من أهم مسرحياته، وهي مسرحية تدور حول الفقد والحزن. وخلال تلك الفترة التاريخية، كان اسما «Hamnet» و«Hamlet» يستخدمان أحيانا بالتبادل، في مفارقة لغوية لافتة. كما أن أمرا آخر يلفت الانتباه، إذ عاش ويليام شكسبير معظم حياته في عالم ظل مهددا بانتشار الطاعون الدبلي، ومع ذلك لم يتناول هذا الوباء بشكل مباشر في أعماله الأدبية.

فيلم «Hamnet»

وتقدم الرواية، ومن بعدها الفيلم، حكاية عائلة شكسبير من زاوية إنسانية، حيث تضع في مقدمة الأحداث حياة أغنيس شكسبير وأطفالها، إلى جانب العمل الفني الذي نسجه الأب المفجوع من تجربة الفقد، وما قد يعنيه ذلك لمسار العلاقة بين أغنيس وويليام. وفي خلفية الأحداث تظهر إنجلترا التي تعيش في ظل الأوبئة، مع إجراءات العزل وانتشار الوفيات ووجود الأطباء الذين يرتدون أقنعة الطاعون.

بعد ٥ أعوام.. رواية تتحول إلى فيلم 

بعد مرور خمسة أعوام على صدور الرواية، تحولت القصة إلى فيلم سينمائي، إذ شاركت الكاتبة ماغي أوفاريل في كتابة السيناريو بالتعاون مع مخرجة الفيلم كلوي تشاو، التي قدمت العمل برؤية تجمع بين الحس الإنساني والبعد الجمالي، وهو الأسلوب الذي عرف في أفلامها السابقة مثل «The Rider» و«Nomadland».

تعتمد تشاو في الفيلم على لغة بصرية هادئة في كثير من المشاهد، حيث تمنح تفاصيل بسيطة مثل جسم موضوع على طاولة أو حركة الرياح بين أغصان الأشجار حضورا بصريا لافتا، وفي الوقت نفسه يحمل الفيلم قدرا كبيرا من الانفعال العاطفي، ما يضع المشاهد أمام مزيج من الحزن العميق والمشاعر المتدفقة التي تظهر بوضوح في مسار الأحداث.

وتؤدي الممثلة جيسي باكلي دور أغنيس شكسبير، الشخصية المحورية في العمل. يظهر المشهد الأول لها وهي مستلقية تحت شجرة في الغابة، مرتدية فستانا أحمر، في صورة تقترب من عالم الأساطير والحكايات الشعبية. وفي كل مرة تظهر فيها أغنيس وسط الأشجار، تستخدم المخرجة نسبا بصرية تجعلها تبدو جزءا من عالم الغابة، وكأنها تنتمي إلى فضاء أسطوري يتجاوز الواقع اليومي.

تنحدر أغنيس من عائلة نسائية يعتقد أنها تمتلك قدرة على رؤية ما يتجاوز المظاهر المرئية، وهي أقرب إلى عالم المعتقدات الوثنية مقارنة بالبيئة المسيحية التي تتسارع فيها مظاهر التحديث داخل القرية التي تعيش فيها.

وخلال الأحداث تلتقي أغنيس بالشاب ويل، الذي يؤدي دوره بول ميسكال، وهو مدرس لغة لاتينية يقضي وقته في الكتابة على ضوء الشموع. وسرعان ما تتحول العلاقة بينهما إلى ارتباط عائلي تتشكل معه حياة مشتركة.

يتحول مسار القصة تدريجيا من أجواء الفرح إلى تجربة الفقد العميق، ثم إلى حالة من الحزن الممتد التي تفرض حضورا ثقيلا في حياة الشخصيات، حيث يبدو العالم وكأنه فقد توازنه. وفي هذا المسار العاطفي تحتل أغنيس مركز الأحداث، بينما يقضي ويل معظم وقته في لندن.

فيلم «Hamnet»

أداء تمثيلي وترشيحات متعددة

تقود الحكاية في مسارها إلى ارتباط غير مباشر بمسرحية «هاملت»، غير أن الفيلم لا يقدم العلاقة بين العملين بطريقة مباشرة أو نمطية. فالعمل يوضح أن التجارب الشخصية لا تتحول إلى أعمال فنية عبر نقل حرفي للوقائع، بل عبر تراكم الخبرات والذكريات التي يعيد الفنان صياغتها بمرور الزمن.

ويقدم الفيلم مثالا على ذلك من خلال الدروس التي تعلمتها أغنيس عن النباتات من والدتها، ثم نقلتها إلى أطفالها، وهي الأفكار التي تظهر لاحقا في كلمات شخصية أوفيليا داخل مسرحية «هاملت»، وقد عولج هذا الربط بأسلوب دقيق يعكس فهما عميقا لآليات الإبداع الفني.

ويحظى أداء جيسي باكلي بحضور قوي طوال الفيلم، حيث يبدأ أداؤها بإيقاع ثابت ثم يتصاعد تدريجيا مع تطور الأحداث. ويمنح صوتها العميق، الذي يحمل نبرة موسيقية هادئة، ثقلا خاصا للمشاهد العاطفية، خصوصا في اللحظات التي تبلغ فيها شخصية أغنيس أقصى درجات الحزن، حيث تتحول مشاعرها إلى صرخات صامتة تعكس عمق الألم.

وعلى الرغم من أن باكلي تشكل القلب العاطفي للفيلم، فإن بول ميسكال يقدم بدوره أداء لافتا، خاصة في المشاهد التي ينطق فيها بجمل من نصوص شكسبير، حيث تتداخل كلمات الكاتب مع الحالة الشعورية للشخصية التي يجسدها.

وفي المقابل، تظهر بعض اللحظات التي تبدو فيها المعالجة الإخراجية مثقلة بالتفاصيل البصرية أو العاطفية. ويبرز ذلك بشكل واضح في استخدام مقطوعة «On the Nature of Daylight» للمؤلف الموسيقي ماكس ريختر خلال أحد المشاهد المفصلية. ورغم جمال القطعة الموسيقية وطابعها الحزين، فإن استخدامها تكرر في أعمال سينمائية وتلفزيونية عديدة مثل «Arrival» و«Shutter Island» و«The Last of Us»، ما يقلل من تأثيرها لدى بعض المشاهدين.

ومن الملاحظ أن النسخة السينمائية لم توسع حضور وباء الطاعون في خلفية الأحداث، باستثناء المرض الذي يصيب الطفل هامنت ويقود إلى وفاته، إذ يركز الفيلم بصورة أكبر على المسار الإنساني للشخصيات.

وقد حصل فيلم «Hamnet» على ثمانية ترشيحات في جوائز الأوسكار، شملت الفئات التالية: أفضل فيلم، وأفضل إخراج للمخرجة كلوي تشاو، وأفضل ممثلة لجيسي باكلي، وأفضل سيناريو مقتبس، إضافة إلى ترشيحات في فئات الكاستينغ، والموسيقى الأصلية، وتصميم الأزياء، وتصميم الإنتاج.

ويأتي هذا الحضور في قوائم الترشيحات بعد مشاركة لافتة للفيلم خلال موسم الجوائز السينمائية، الأمر الذي عزز موقعه بين الأعمال المرشحة للفوز بعدد من الجوائز العالمية الكبرى.

aXA6IDE5Mi4xMjYuMjE3LjE2NyA= جزيرة ام اند امز US