قدمت الحلقات الأولى من مسلسل “بخمس أرواح” عملاً يحاول أن يلتقط هشاشة الفقر والخوف في حي بيروتي فقير، عبر حكاية عاطفية متشابكة بين سماهر وشمس، إلا أن الخطوة الأولى في هذا المسار تكشف سريعاً عن فجوة واضحة بين جمالية الصورة التي يبرع فيها المخرج رامي حنا، وبين نص مرتبك وأداء تمثيلي يميل إلى المبالغة، فيبتعد عن البناء النفسي المعقد الذي تفرضه طبيعة الشخصيات والسياق الاجتماعي الذي تتحرك فيه، ويترك الانطباع بأن العمل محكوم بفكرة قوية من ناحية، وبأدوات غير منضبطة من ناحية أخرى.
حب مكسور على هامش بيروت الفقيرة
ويدور المسلسل حول سماهر التي تجسدها الممثلة كاريس بشار، وهي امرأة تعمل في ملهى ليلي في بيروت وتغني بلهجة بدوية (لهجة الجزيرة في سوريا) هجينة، وتعيش داخل بيئة شعبية فقيرة محاطة بالوصم من كل اتجاه، فهي ابنة رجل سكير وأم لطفل تحاول حمايته وتأمين مستقبله، وامرأة تعمل في مهنة تعتبر غير محترمة وفق منظومة القيم السائدة في الحي، وتتحرك طوال الوقت بين ضرورة تأمين لقمة العيش وبين محاولة الحفاظ على حد أدنى من الكرامة لنفسها ولابنها.
في المقابل، يقف شمس الذي يؤديه قصي خولي، عامل فرز نفايات يتيم الأم ومتبنى من عائلة أخرى، ويُختصر وجوده بلقب ابن الميتة الذي يلخص نظرة المجتمع إليه، ويحمل داخله عنفاً رمزياً دائماً، ويتحول هذا الماضي غير المحسوم إلى عبء على علاقته بسماهر، فيحبها ويتعلق بها من دون أن يمتلك الأدوات النفسية والاجتماعية التي تسمح له بتحويل هذا التعلق إلى حماية أو استقرار عاطفي فعلي.
المسلسل من إخراج رامي حنا، وتأليف يزن الداهوك وسيناريو وحوار أسامة كوكش، ويجمع ممثلين سوريين ولبنانيين في محاولة لاستثمار المكان البيروتي كخلفية للحكاية، مع تقديم حي فقير كفضاء تتحرك فيه شخصيات مسحوقة، إلا أن هذا الفضاء يظل في كثير من المشاهد أقرب إلى ديكور للفقر لا إلى بيئة حقيقية تفرض تفاصيلها على السلوك اليومي وعلى الإيقاع الداخلي للشخصيات.
صوت بلا جذور واضحة
أول ما يلفت الانتباه في أداء كاريس بشار هو اللهجة التي تتحدث بها سماهر، إذ يؤكد أشخاص يتقنون اللهجة “الجزراوية” أن ما نسمعه على الشاشة لا ينتمي إلى لهجة محددة يمكن ردها إلى منطقة بعينها، وإنما هو مزيج من أكثر من لهجة متباعدة، وهذا ما يخلق شعوراً بأن الصوت معلق في الفراغ، من دون جذور جغرافية أو اجتماعية واضحة.
هذا الخلل يفتح سؤالاً حول القرار الإخراجي منذ البداية، لأن اللهجة جزء من بناء الشخصية وليست إضافة سطحية، وعندما يفقد الصوت دقته تفقد الشخصية إحدى ركائزها التعبيرية الأساسية، ويتحول الكلام إلى طبقة تجميلية فوق الدور تبدو في معظم الأحيان مصطنعة، لا إلى أداة تكشف ذاكرة المكان والطبقة والبيئة، في حين أن سماهر يفترض أنها قادمة من سياق محدد، وأن طريقة نطقها وتشكيل جملها تعكس هذا السياق وتعيد إنتاجه في كل مشهد.
المبالغة الانفعالية وتبسيط النفس البشرية
ويميل المسلسل إلى أداء مسرحي يعتمد على رفع الصوت وتضخيم الانفعالات، فيظهر الحزن غالباً في شكل بكاء مباشر، ويتحول الغضب إلى صراخ والانفعال إلى حركة جسدية مبالغ بها، بينما تقوم الحياة اليومية للبشر على طبقات أكثر تعقيداً، لأن الخوف المزمن يصنع سلوكا اقتصادياً في التعبير، ويخلق مزيجاً من الصمت والانسحاب والاحتكاك العنيف غير المنضبط.
المسلسل يتعامل مع مساحات الصدمة والعنف والخوف كلها من خلال قالب واحد، يمكن توقعه قبل أن يبدأ المشهد، فتتراجع واقعية اللحظة ويصبح الانفعال قريباً من رد فعل محفوظ، لا من نتيجة لمسار طويل عاشته الشخصية.
هذا الاختزال يبدو أكثر وضوحا في حالة سماهر، التي تتحرك بين ملهى الليل ومدرسة ابنها وبيت والدها السكير، وتتحمل حجماً من الضغط يفترض أن ينتج طبقات معقدة من التعبير، إلا أن الأداء يدفعها إلى مستوى واحد من الانفعال، فيتحول صوت الشخصية إلى وسيلة لتكثيف الصراخ أو البكاء، بدلا من أن يكون أداة للكشف عن عمقها الداخلي..
وهنا لا يقتصر النقاش على أداء الممثلة وحدها، لأن دور المخرج في أي عمل درامي لا يقتصر على تقديم صورة جيدة وزوايا مميزة، وإنما يشمل ضبط أداء الممثل أيضا، وتوجيهه في طريقة إظهار المشاعر، واختيار الدرجة المناسبة من الانفعال في كل مشهد.
اعتماد هذه الانفعالات كما ظهرت على الشاشة يعني أن المخرج وافق عليها لحظة المونتاج، واعتبرها المعيار المقبول للشخصية، ما يوحي بوجود ضعف ما في التواصل بين الممثل والمخرج حول تصور الشخصية، أو بتركيز أكبر على جمالية الكادر على حساب دقة التفاصيل النفسية، فيبدو أن الكثير من المشاهد ارتكز على ما ينتجه الممثل من أداء عفوي وقدرته على تخيل الشخصية وحده، من دون ملاحظات دقيقة من المخرج حول الطريقة التي يريد أن تظهر بها هذه الشخصية، وبذلك يغدو حضور المخرج في بعض اللحظات أقرب إلى صانع صور جيدة، من دون بصمة واضحة في بناء المشهد كاملاً من جميع عناصره، بالرغم من أنه رب العمل والمسؤول الأول عن إيقاعه ومعناه.
رامي حنا بين الصورة والنص
ويحضر توقيع رامي حنا البصري بوضوح من خلال اهتمام بالإضاءة وتكوين الكادر واختيار زوايا تحاول أن تكسر الإيقاع التقليدي للتصوير داخل الأحياء الفقيرة، إلا أن هذه الجمالية تبقى معلقة عندما لا تجد نصاً يوازيها، أو أداء منضبطا يحملها، لأن الصورة القوية تحتاج إلى لحظة درامية مساوية لها في العمق وإلى حوار وسلوك يملآن الفراغ داخل الكادر.
وتزداد هذه الفجوة وضوحاً عند استعادة تجربة غداً نلتقي، التي أخرجها حنا أيضاً وقدمت فيها كاريس بشار دوراً محكماً، حيث ظهر التوتر النفسي من دون حاجته إلى انفعال عال في كل لحظة، في حين يعتمد بخمس أرواح على تعويض هشاشة النص بجرعة انفعالية زائدة، فيتراجع دور الإخراج كفن يضبط كل العناصر، ويتقدم دور الصورة بوصفها سطحاً لامعاً يغطي ما تحته.
لقاء الصورة بالنَفَس الإنساني
داخل هذا المشهد الانفعالي العالي، تأتي لحظة صغيرة في الحلقات الأولى تكشف ما كان يمكن للعمل أن يكون عليه لو تم الاستثمار أكثر في التفاصيل الدقيقة، وهي مشهد الحذاء الذي تهديه سماهر لشمس.
فرحة شمس بالهدية وطريقة ارتدائه الحذاء وذهابه إلى الملهى وهو يحمل في قدمه أثراً ماديا لحبها، ثم نظراته إليها وهي تغني وابتسامته العفوية وهو يحاول أن يخبرها بأنه يرتدي الحذاء الذي اختارته له، جميعها تفاصيل بسيطة تنقل شعوراً بحب حقيقي أقرب للطفولي وبعلاقة غير مصاغة بالكلمات، وإنما بإيماءة صغيرة تساوي اعترافاً كاملاً.
رد فعل سماهر عبر أغنية خاصة تغنيها له من على المسرح يضيف طبقة اخرى إلى هذه اللحظة، قبل أن تتفجر الفوضى بسبب اقتراب رجل آخر من شمس، فتتحول الغيرة غير المنضبطة إلى عراك داخل الملهى، وتجد سماهر نفسها مرة اخرى مضطرة للدفاع عنه في مواجهة الزبون صاحب السلطة في المكان، فتتبدل الأدوار خلال ثوان من رجل يحاول حماية امرأة يحبها إلى امرأة تدافع عن رجل لا يجيد إدارة غضبه، وتدفع ثمن اندفاعه أمام من يمتلك القوة الحقيقية.
يتكرر هذا النمط في علاقتها مع المدرسة، حين تذهب للاطمئنان على ابنها، وتواجه نظرة معلمة وأهال يرون في مهنة الملهى سببا لإدانة الطفل، فتقول بجملة واضحة إن عملها راقصة لا يلغي حق ابنها في الدراسة، وإن من لا يعجبه ذلك يمكنه أن ينقل ابنه إلى مدرسة اخرى، وهنا يظهر مستوى آخر من التصالح مع الذات ويظهر صوت يرفض الخجل، ويضع المجتمع أمام صورته من دون تزيين.
في هذه اللحظات تحديداً تبدو سماهر شخصية قادرة على حمل عمل كامل، لأن النص يتيح لها مساحة صغيرة لاختبار قوتها من دون صراخ ولعرض ضعفها من دون انهيار وللقول بجملة واحدة ما تعجز عنه عشرات المشاهد الانفعالية التي تستنزفها في اتجاه واحد.
قصي خولي: حضور لطيف في شخصية تحتاج قسوة مضمرة
ويقدم قصي خولي في دور شمس حضوراً يميل إلى اللطف والود المعلن في شخصية يُفترض أنها تحمل داخلها شعوراً متواصلاً بالدونية والغضب، نتيجة لقب مؤذٍ وتاريخ عائلي غامض، فيظهر في كثير من المشاهد كمن يملك قلباً طيباً فقط، من دون طبقة واضحة من القسوة المضمرة أو الخوف من الهجر أو الانفجار العنيف.
مشاهد الغيرة والعراك لا تعوض هذا الغياب، لأنها تعود إلى مشكلة المبالغة الانفعالية نفسها، فالصوت يرتفع والحركات تصبح أكثر حدة، من دون أن نشهد تدرجاً في الانفعال أو صراعاً داخلياً بين الرغبة في الحماية والخوف من العقاب أو الخسارة، ما يبقي شمس في منطقة وسطى بين رجل قوي ومراهق عاطفي، من دون أن يرسو في واحدة منهما، ويترك سماهر وحدها تقريباً في مساحة حمل ثقل الدراما.
